شكيب أرسلان
جنيف 12 ربيع الأول سنة 1354
| القسم الأول من الديوان
المراسلات السامية
أريد بها ما دار بيني وبين أمير الشعراء في وقته؛ محمود سامي باشا البارودي، رئيس نظار مصر سابقا، وذلك لما كان في منفاه بسيلان على إثر الحادثة العرابية، وقد كانت فقدت من عندي بعض هذه المراسلات، فاضطررت إلى طلب مجلة الزهور الأدبية من مصر؛ لأنها كانت قد نشرتها؛ وهكذا عثرت عليها كلها ما عدا قصيدة ميمية كنت بعثت بها إلى محمود سامي سنة 1902 من طبرية حيث كنت أبدل الهواء. وأما جواب محمود سامي على هذه القصيدة فقد وجدته بين أوراقي. ولنبدأ الآن بالمراسلات التي وجدت في مجلة الزهور، ولا بأس بأن ننشر المقدمة التي صدرها بها شاعر القطرين خليل بك مطران، وهو قوله عن صاحب هذا الديوان:
حضري المعنى، بدوي اللفظ، يحب الجزالة، حتى يستسهل الوعورة، فإذا عرضت له رقة وألان لها لفظه، فتلك زهرات ندية ملية شديدة الريا، ساطعة البهاء كزهرات الجبل.
نبغ منذ طفولته في الشعر، وكان أبكر الفتيان في نشر ديوان له،
1
وجاء ديوانه في وقته آية.
غير أنه لم يلبث أن ترك الشعر وانصرف إلى الترسل، فحبس فيه ما أوتيه من العبقرية، فهو الآن في مذهبي إمام المترسلين.
على أنه قد يدعوه داع من النفس أو من الطوارئ فينظم، ينظم كما ينثر، فياض الفكر غير تعب، لكن نظمه يحمل في عهده الآخر أثرا من نثره.
خليل مطران
قالت الزهور
استشهد الأمير شكيب في بعض كتاباته أولا وثانيا بأبيات للبارودي على غير معرفة شخصية سابقة، فكتب محمود سامي باشا إلى الأمير بالمقطوعة الآتية، قال:
أشدت بذكري بادئا ومعقبا
وأمسكت لم أهمس ولم أتكلم
وما ذاك ضنا بالوداد على امرئ
حباني به لكن تهيبت مقدمي
فأما وقد حق الجزاء فلم أكن
لأنطق إلا بالثناء المنمنم
فكيف أذود الفضل عن مستقره
وأنكر ضوء الشمس بعد توسم
وأنت الذي نوهت باسمي ورشتني
بقول سرى عني قناع التوهم
لك السبق دوني في الفضيلة فاشتمل
بحلتها فالفضل للمتقدم
ودونكها يابن الكرام حبيرة
من النظم سداها بمدح العلا فمي
فأجابه الأمير:
لك الله من عان بشكر منمنم
لتقدير حق من علاك محتم
وشهم أبي النفس أضحى يرى يدا
تذكر فضل أو جميل لمنعم
رأى كرما مني تذكر قوله
فدل على أعلى خلالا وأكرم
ولو كان يدري فاضل قدر نفسه
رأى ذكره فرضا على كل مسلم
أيعجب من تنويه مثلي بمثله؟
لعمري الذي قد شق في شعره فمي
ومهما يكن من أعجم فبفضله
يرى ثقفيا في الورى كل أعجم
إذا مطر الغيث الرياض بوابل
فأي يد للطائر المترنم؟
إذا ما تصبت بالعميد صباحة
بوجه فما فضل العميد المتيم؟
وهل ينكر الإحسان إلا لئامة
وينكر حسنا غير من طرفه عمي؟
وهل في شهود الشمس أدنى مزية
وقد جاء ضوء الشمس لم يتكتم؟
رويدك لا تكثر لدهرك تهمة
ولا تيأسن من أهله بالتوهم
فما زال من يدري الجميل ولم يكن
لتأخذه في الحق لومة لوم
وأنت الذي لو أنصف الدهر لم يكن
لغيرك في العلياء صدر التقدم
جمعت العلا من تلدها وطريفها
فجاءت كعقد في ثناك منظم
غدت خطتي إما يراع ومخذم
وأنك قطب في يراع ومخذم
ولم أر كفا مثل كفك أحسنت
إلى المجد إرعاف المداد مع الدم
جمعتهما جمع القدير بكفه
إلى محتد سام إلى المجد ينتمي
ولو كان يرقى المرء ما يستحقه
إذن لبلغت النيرات بسلم
وأنت الذي يا ابن الكرام أعدتها
لأفصح من عهد النواسي ومسلم
وأنشرت ميت الشعر بعد مصيره
لأعظم نثرا من رفات وأعظم
وأشهد: ما في الناس من متأخر
يدانيك فيه لا ولا متقدم
ولو شعراء الدهر تعرض جملة
بمنجدهم من كل حي ومتهم
لأبصرت شخص البحتري منك بحترا
وخلق أبي تمام غير متمم
لك الآبدات الآنسات التي نأت
وأنست عكاظ الشعر بل كل موسم
لكم أسهرت جفن الرواة وخالفت
حظوظك منها شرد غير نوم
شغفت بها طفلا فأروى بديعها
ولم أرو من وجدي بها نار مضرم
ولا عجب أني أحن صبابة