تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحرار مصر أن تكون عبيدا

مهما استعز الغالبون بجندهم

فالحق أعظم قوة وجنودا

قد أقبل الزمن الذي أبناؤه

لا يحملون سلاسلا وقيودا

نم يا فريد على يقينك إنه

يوم تأذن بالخلاص عتيدا

لا بد من فرج قريب عنده

مصر تؤمم شخصك الملحودا

ويبشرونك بالخلاص إلى الثرى

أن قم وشاهد يومك الموعودا

يبقى مع الأهرام ذكرك ثابتا

ويظل قبرك مثلها مشهودا

وهناك تنقلب المدامع قرة

ويعود مأتمك المفجع عيدا

رثاء نظمناه في جنيف في 18 مارس سنة 1919، وبعثنا به إلى ابن عمنا المرحوم الأمير توفيق مجيد أرسلان لدى علمنا بوفاة ولده ملحم وكان نجيبا، وذلك بعد أن رجع من منفاه في الأناضول:

لقد كنت أرجو أن تعود وتغنما

وتنسى عناء قد مضى وتصرما

وتعتذر الأيام عما تحاملت

عليك ويمحو اليوم ما الأمس قدما

فما راعني إلا مصابك تاركا

ليالي أياما ويومي مظلما

وسهم تلقاه فؤادي وإنه

لآلم ما لاقى نبالا وأسهما

أجل لم تزل حتى أصبت ب «ملحم»

فتفتأ حتى الموت تذكر ملحما

مصاب تشاطرناه طرا فكلنا

يبكى على مفقودك الدمع والدما

رأينا عظيما قبله حادث النوى

لعمري فجاء البين أدهى وأعظما

وكنا نرجي فرحة بزفافه

فوا حسرتا اعتضنا من العرس مأتما

وصارت به تلك التهاني مراثيا

وناح الذي قد شاء أن يترنما

فتى لم يكن إلا بأعوامه فتى

فقد كان في عقل الرجال وأحلما

تقبل بالصبر الجميل بلاءه

وحلى بشهد الطبع ما كان علقما

تحمل من بلواه وهو مراهق

لعمري ما لو حل طودا تهدما

23

كأن الذي فيه من العقل قد أتى

لنزداد فيه حسرة وتألما

فأي فؤاد لا يذوب لمثله

وأي سرور لا يكون محرما؟

أتوفيق ثق ما أنت في الخطب واحدا

ولكنه حزن علينا تقسما

وإن كنت مجروح الفؤاد فكلنا

غدا لك مجروح الفؤاد مكلما

تناثر دمعي فوق طرس أخطه

لذاك غدا نثري ونظمي توأما

يخيل لي مبكاك عند وداعه

خيالا على بعد الديار مجسما

مضى وبقيت العمر تذكر فقده

فيا ليت شعري من تروح منكما

مضى ولو الماضي يهنا على الردى

لقلت له: اضحك ضاحكا متبسما

فما هذه الدار العزيزة عندنا

بأهل لعمري أن تعز وتكرما

إذا سبر الناس الأمور بدت لهم

حقائق لا تبقي فؤادا متيما

فكم فرح فيها بخير أصابه

يعود عليه حسرة وتندما

وكم نعمة تبدو فترجع نقمة

ومغنم قوم عاد من بعد مغرما

عزاءك يابن العم هل ثم حيلة

تصد بها ذاك القضاء المحتما؟

ومثلك من قد غلب العقل والحجى

على حسه عند المصاب وحكما

رجوت إلهي في بنيك الألى بقوا

بأن يسلموا في جانبيك وتسلما

ويملأ مرآهم عيونك قرة

ويغدوا بدورا في البلاد وأنجما

رثاء للمرحوم الأمير عبد القادر نجل جناب الخديوي عباس حلمي، توفاه الله إلى رحمته في 20 أبريل سنة 1919، وذلك في برلين، وكنا حينئذ في مونترو من سويسرة نازلين في فندق مونترو بالاس، وكان في الفندق نفسه جناب الأمير محمد علي عم الأمير الفقيد، فعزيناه بالأبيات الآتية:

أسائل

24

دمعي هل غدوت مجيبي

إذا شئت أطفي حرقتي ولهيبي؟

وهيهات أن يقوى على النار صيب

وريح الرزايا آذنت بهبوب

لئن بكت الخنساء صخرا فإنه

لقد بات يبكي الصخر طول نحيبي

يقولون لي: صبرا فقد ذبت لوعة

وما ذوب مثلي في الأسى بعجيب

أأحسب قلبي من حديد وإن يكن

فكم من شرار للحديد مذيب

وقالوا ألا مهلا تأس بمن مضوا

فليس مصاب جازع بمصيب

فقلت ذروني والأسى ليس مغنيا

كلام خطيب مع كلام

25

خطوب

أجل مقامي في المحبة والوفا

عن اللهو والسلوان بعد حبيب

ورب محب بات يسلو حبيبه

ألا تلك أجسام بغير قلوب

أفي كل يوم للمنية حادث

يسيل من الأجفان كل صبيب؟

تعمدنا ريب المنون بضربة

أبى الدهر أن يأتي لها بضريب

أصبنا ب «عبد القادر» اليوم إذ غدت

تناط به آمال كل لبيب

هوى كوكبا باتت لوقع غروبه

جميع المآقي مترعات غروب

26

هوى كوكبا كالبدر تما وإن غدا

قريب المدى من مشرق لمغيب

فقل أي وجد في الجوانح محرق

على أي غصن في التراب رطيب؟

لئن لم يجاوز ست عشرة حجة

لقد جاز في الإدراك أهل مشيب

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ٢٣