تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن يرى غيره مع عينه شرعا

11

فليس بينهما فرق سوى الصور

فما أرى ناعيا حيا بمفرده

إلا نعى لو عقلنا سائر البشر

ليس الحياة سوى تشييع آخرنا

لأول فهي هذي فسحة العمر

وإن تغب المنايا في مواردها

فرب ترك يليه أخذ مقتدر

من سامحته بيوم في مصارعها

فقد أحيل على أيامها الأخر

لم يبرح الدهر فتاك المضارب عن

أيامه البيض أو ليلاته السمر

كفى بريب المنايا واعظا وجزا

رشدا لمن كان من دنيا على غرر

تخالف الناس في الأهواء حين حيوا

وجمع الموت منهم كل منتثر

وقد يلج ببعض كيد شانئه

ولو درى لصفا صفوا بلا كدر

وقد يحاول في أعدائه ظفرا

وأنه بين ناب الموت والظفر

كم وترت قوس ضغن كف ذي ترة

فأذهب الموت عزم الوتر والوتر

12

والدمع يغسل ما بالقلب من وضر

كما يزول غبار الأرض بالمطر

لو أنصف اليازجي دمع لكان له

كعلمه بحر دمع غير منحصر

أو لو درت نار إبراهيم مصرعه

لأصبحت من جوى لفاحة الشرر

أودى الردى حينما أودى بمهجته

بأكتب الوقت من بدو ومن حضر

بذي الضياء تكاد العمي تبصره

وذي البيان الذي يشفي من الحصر

13

من بعد ما خمدت ريح البيان غدت

له به دولة وضاحة الغرر

عبارة لا ترى في رصفها قلقا

كالعدل لم يشك من طول ولا قصر

لا تلتقي موضعا فيها له بدل

كأنما جاءت المعنى على قدر

بكت له اللغة الفصحى وحق له

بكاء كل كلام جاء عن مضر

يا راحلا شكت الأقلام غربته

وليس بعدك منها غير منكسر

نهجت في بلغاء العصر واردة

بالحق لولاك لم تسفر ولم تنر

إليك حقك لا ظلم ولا سرف

لا ينكر الشمس إلا فاقد البصر

وإن يؤاخذك نقاد ببادرة

فليس يرجم إلا مثمر الشجر

وقد يعاب الذي في البدر من كلف

وليس يسلب معنى الحسن في القمر

إليك مني تحيات برقتها

كسحر لفظك أو كالنفح في السحر

فاذهب عليك سلام الله من رجل

ماضي الحشاشة لكن خالد الأثر

رثائي للمرحوم محمود سامي باشا رئيس نظار مصر قبل الاحتلال البريطاني وأمير الشعراء في وقته، توفي سنة 1323ه/1904م:

يا ناظري ألأيا تبكيان دما

أهكذا عهدنا أن نحفظ الذمما؟

لو صار كل سواد منكما يققا

على الصديق لما أنصفتماه لما

وطالما ذبتما شوقا لرؤيته

وخلتماها أماني النفس والنعما

فالآن شطت نوى ما عندها أمل

في القرب فاكتحلا من بعده الظلما

ماذا أقول لقلبي في الدفاع إذا

أقام قاضي الهوى ما بيننا حكما

ويلمها حسرة في القلب باقية

تظل تحت الثرى تستصحب الندما

لو أن لي طير يمن ما صبرت لها

ولا تبدلت من بئزانها الرخما

ولا عداني عن الأحباب عادية

ولا حثثت لغير الصفوة الرسما

ولا تخلفت عن مصر ومقدمها

وقد غدت دارها من دارنا أمما

ألوذ بالدمع كي أطفي اللهيب به

فأستزيد كأني نافخ ضرما

الآن حق بأن أسخو بأسخنه

إن المدامع يتلو حرها الشبما

وما بكائي لخطب قد فقدت به

وحدي خليلا براني فقده ألما

لكن بكائي على المبكي بمصرعه

أهل المشارق بل من غيرهم أمما

ولو سبقت به الورقاء ما لحقت

مناحتي صاحبيه: السيف والقلما

والمجد مكتسيا من كفه حللا

والفضل مرتقيا في ظله أطما

والشعر أدرك ما أعيا زهير وما

فات الكريم على علاته هرما

خطب هوى بخباء الفضل فانحطمت

أوتاده وغدت أطنابه رمما

14

نبا بمحمود سيف لو ضربت به

حد الزمان بكف السعد لانثلما

مصيبة أرجفت صم الجماد فقل

في الشارق انقض أو في الشاهق انهدما

نتيجة الوقت لو آلى به رجل

بأنه فذ هذا الدهر ما أثما

لو أنصفته الليالي في مقاسمها

لأوطأته على هام السهى قدما

لو لم يكن فضله من حظه بدلا

ما سامه الدهر إرهاقا ولا حرما

أو كان للحق في تلك الأمور يد

نجت به الحجة البيضا وما اتهما

ما كان يأمل إلا خير أمته

ولا يرجي لها إلا عزيز حمى

فإن يكن طاش سهم عن رميته

فكم ملوم على رمي سواه رمى

كم ساء أمر بحمل الجاهلين له

وربما حل عقدا بعض من نظما

15

لا يحسن الأمر إلا من تعوده

ما كل راكب خيل يحفظ اللجما

وما نجاح الفتى كاف لتزكية

ولا الحبوط دليل أنه وهما

والفضل والنقص محتوم لزامهما

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ٢١