تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قبل أن يصيح الديك الكبير ويوقظ الدجاجات، نهض حميد من فراشه الساخن، قضم رغيفاً مغمساً بزيت الزيتون مع فحل من البصل. وقبل أنْ تخرج الشمس من تحت الجبل العملاق كان بين شجر الورد، يقص السيقان بالمقص ويرتبها بنعومة فوق ساعده، ثم يربطها بشريطٍ، كلُّ مجموعةٍ على حدة. سعر الوردة ارتفع هذا العام حتى وصل إلى "الخمس ليرات"، وبدا ساهياً متى سيتوقف عن البيع للحظةٍ، لحظة تنام عروسه فوق حقل الورد، وتمشي فوقه كالنحلة، فكّر ببنات المدينة، نظافتهن.. مشيتهن.. كثرتهن..

غداً آخر نقلة امتلأ صندوقه بالنقود، سيبيع عدّة مسح الأحذية التي يستخدمها لتلميع الأحذية شتاءً، بيد أنه سينظف آخر حذاء، له قبل أن يقوم بذلك. مهنته لم تعد تناسبه. فالأعمال تترقى برقي الجيب.

كثيراً ما يستلقي ناظراً صوب الشمس المختبئة خلف ورق الشجر متأملاً في وجوه أقربائه. رؤوسهم كثيرة في الحافلة الضيقة متعرّقة، ومرقّعة كحبات البطيخ، يضحكون كالبلهاء، لايكفون عن الثرثرة وطرح الأسئلة. أما السائق فكان طيباً كريماً يسامحه معظم الأحيان بإجرة الطريق إلى المدينة.

باع باقات الورد في محل أكاليل الزهور، عدّ الأوراق النقدية ودسّها في جيبه. المحلات كثيرة. خرج من المطعم يزفر من بطنه رائحة شطائر اللحم الساخنة التي يأكلها للمرة الثانية في حياته، بعد الرزق الذي انهال عليه.

دخل محلاً آخر، وخرج مزيلاً عن وجهه ذقنه المعثكلة. ركب في الحافلة مختاراً مكاناً قرب فتاة يظهر أنها في الثلاثين، في كل هزّة يرتطم بها متعمداً، ولمّا لم يلحظ عليها الاستياء، وضع يده بجرأة فوق يدها، نظرت إليه بقسوة واحتقار، فسحب يده بسرعة وتأسّف. نزلت برشاقة دون أن تردّ عليه، فلحق بها، سيحاول أن يكلّمها ويطلب منها الارتباط. سيبيع حماره وأرضه ويشتري دكاناً في المدينة، وسترضى به.. بل إنها ستطير فرحاً، فهو رجل بمعنى الكلمة.

تقدّم بثقة حتى صار بمحاذاتها، ألقى التحية باسماً لها بارتباك، ولمّا لم تعره اهتماماً وقف قبالتها معتذراً مرة ثانية، عمّا صدر منه من سوء أدب، فصرخت به، (إرحل عني يا أبله). تسمّر في مكانه يرمقها بحزن، وهي تنعكف وتغيب في زقاق ضيقٍ. فرك عينيه بأصابعه. امتصت الدمعة دخان وغبار الجو، (قاسيات هنّ بنات المدينة). قال في نفسه متجهاً إلى (الكاراج).

سفر في وريد مقطوع · الصفحة ٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سفر في وريد مقطوعص ٤٤