تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-شو بتساوي فيك الحكومة، بأي قانون بدا تأدبك...

وتابع حديثه باللغة الفصحى مقلداً القضاة:

-حكم عليك حكماً غير قابل للطعن...

ثم صمت مفكراً بكلمة مناسبة وتابع بوجه مرتبك:

-بالحكم عليك... كما حكم على الحمار.

تسلمه الثلاثة بهدوء... لم يطل الصمت حتى صرخ الرجل...

أنّ... وبكى... ثم خرّ

ذبلت الشمس، غطست في البرد، زغردت النساء ورقصت الصبايا.

((((

فتاة من ورق

تتراخى شجرةُ التوت الأحمر في زاويةٍ منَ الأرضِ البنيّة المقامة بعناية. ضجيجُ الماء المندفع من الصهريج جُعلَ نومتَهُ في الجوِّ الحار عميقةٌ.. بدأت المياه تفيضُ من الحفرةِ الطويلةِ، قَفِزِ دون إرادةٍ، أطفأ (الموتور) ثم أصلح الخطُ بالمجرفة.

تفحّص صفوف الورد بنظره الضعيف، تنهّد ملء صدره، غسل وجهه المنتفخ، مسح شعره المجعّد وأعاد قبعة القماش المغمسة بآثار التراب الأحمر. شدّ الحمار الرمادي إلى غرفته الحجرية، أغلق باب الخشب المشقّق وجلس على كرسيٍ صغيرٍ متأملاً وجه أمه، مازالتْ مذ تركها عند الصباح فوق الحصير، تصفُّ ورق نبات الدخّان بالمئزر المنتهي إلى خيطٍ ثخينٍ. هزّ رأسه بسرورٍ، ثم استأنف عمله بربط ما اشتغلته فوق

سقف خيمة القصب حتى تتيبس الوريقات

وتحترق بلهب الشمس.

تمدّد أخيراً بارتياح ناظراً إلى أعلى الخيمة:

-سأ.. سأتزوج قريباً، موسم الورد كثيرٌ في الحقل.. والدخّان أيضاً.

صرخت الأم العجوز وهي تقف بصعوبة تنفضُ عن فستانها غبار الورق:

-حمدو.. إلحقْ إلى الطاحون، واحضر لنا كيساً من الخبز.

الحمار ينظر من نافذة غرفته الصغيرة، يتطلع إلى صاحبه بعيون تعبة بعد وجبةٍ دسمةٍ من الشعير. شُدَّ ثانيةً من حجرته،.. وهذه المرة أرخى حميد ثقله عليه.

البيوت تمشي إلى الوراء، وفي كلِّ حجرةٍ من تلك البيوت تجلس فتاةٌ صبيةٌ. هذا بيت (سُليمى) صاحبة الوجه الخمري الداكن الذي يمقته، وذاك بيت (نائلة) جارتها التي تتحرك بصعوبة لقصر ساقيها، وهو إلى تلك اللحظة لا يقدر أن ينسى كيف تدحرجت على الطريق الترابي المنحدر. أما (فريزة) فلها رائحةٌ ثقيلةٌ مزعجةٌ برغم شعرها المجدول والعيون الخضراء الربيعية. استحضر صور جميع فتيات القرية محاولاً أن يرشَّ على كلِّ واحدةٍ لمسةٌ من السحر. جعل كل واحدة تبتسم بجاذبية، مرتدية الحرير والحلي، فلم يفلحْ، كلّهنّ لا يحركنّ به أي شعورٍ، ابتسم باستهزاء قائلاً في نفسه (وفوق هذا كلّه... لا يَرُدُّنَّ السلام).

سفر في وريد مقطوع · الصفحة ٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سفر في وريد مقطوعص ٤٣