فالحديث إنما يَذُمّ مَن قصد الدنيا،لا من جاءته الدنيا بغير هذا القصد. والقرآن ذم من ( مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) [النازعات:37 - 39]) وقال تعالى:﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (29) سورة النجم،وقال تعالى :﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (18) سورة الإسراء،في مقابل ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (19) سورة الإسراء.
والدنيا لا تُذَمّ إذا قُصدت بعمل وعلم الآخرة،وكيف تُذَمّ الدنيا لذاتها وهي مزرعة الآخرة؟
ولهذا قال العلامة القاري في المرقاة: "أفهم الحديث أن من أخلص قصده فتعلم لله،لا يضره حصول الدنيا له من غير قصدها بتعلمه،بل مِن شأن الإخلاص بالعلم أن تأتي الدنيا لصاحبه راغمة.." (1)
وللعلامة الدكتور يوسف القرضاوي إشارة نفيسة (2) : وهي أن كثيراً من طلاب العلم في عصرنا لا يتجهون إلى العلم بنيّة مبيتة،بل يوجههم إليه ـ في صغرهم ـ آباؤهم،أو مجموع درجاتهم،أو
(1) - مرجع سابق 1/288
(2) - انظر: كتابه: الرسول والعلم ص: 97-98.