وهي الاستجابة الطبيعية المستقيمة لسماع القرآن , وإدراك طبيعته , والتأثر بحقيقته . . يعرضها الوحي على المشركين الذين كانوا يسمعون هذا القرآن ثم لا يؤمنون . وفي الوقت ذاته ينسبونه إلى الجن , فيقولون:كاهن أو شاعر أو مجنون . . وكلها صفات للجن فيها تأثير . وهؤلاء هم الجن مبهورين بالقرآن مسحورين متأثرين أشد التأثر , منفعلين أشد الانفعال , لا يملكون أنفسهم من الهزة التي ترج كيانهم رجا . . ثم يعرفون الحق , فيستجيبون له مذعنين معلنين هذا الإذعان: فآمنا به غير منكرين لما مس نفوسهم منه ولا معاندين , كما كان المشركون يفعلون !
(ولن نشرك بربنا أحدا) . .
فهو الإيمان الخالص الصريح الصحيح . غير مشوب بشرك , ولا ملتبس بوهم , ولا ممتزج بخرافة , الإيمان الذي ينبعث من إدراك حقيقة القرآن , والحقيقة التي يدعو إليها القرآن , حقيقة التوحيد لله بلا شريك .
(وأنه تعالى جد ربنا , ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) . .
والجد:الحظ والنصيب . وهو القدر والمقام . وهو العظمة والسلطان . . وكلها إشعاعات من اللفظ تناسب المقام . والمعنى الإجمالي منها في الآية هو التعبير عن الشعور باستعلاء الله - سبحانه - وبعظمته وجلاله عن أن يتخذ صاحبة - أي زوجة - وولدا بنين أو بنات !
وكانت العرب تزعم أن الملائكة بنات الله , جاءته من صهر مع الجن ! فجاءت الجن تكذب هذه الخرافة الأسطورية في تسبيح لله وتنزيه , واستنكاف من هذا التصور أن يكون ! وكانت الجن حرية أن تفخر بهذا الصهر الخرافي الأسطوري لو كان يشبه أن يكون ! فهي قذيفة ضخمة تطلق على ذلك الزعم الواهي في تصورات المشركين ! وكل تصور يشبه هذه التصورات , ممن زعموا أن لله ولدا سبحانه في أية صورة وفي أي تصوير !
(وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا , وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا) .