فأول ما بدههم منه أنه(عجب) غير مألوف , وأنه يثير الدهش في القلوب , وهذه صفة القرآن عند من يتلقاه بحس واع وقلب مفتوح , ومشاعر مرهفة , وذوق ذواق . . عجب ! ذو سلطان متسلط , وذو جاذبية غلابة , وذو إيقاع يلمس المشاعر ويهز أوتار القلوب . . عجب ! فعلا . يدل على أن أولئك النفر من الجن كانوا حقيقة يتذوقون !
(يهدي إلى الرشد) . .
وهذه هي الصفة الثانية البارزة كذلك في هذا القرآن , التي أحسها النفر من الجن , حين وجدوا حقيقتها في قلوبهم . . وكلمة الرشد في ذاتها ذات دلاله واسعة المدى . فهو يهدي إلى الهدى والحق والصواب . ولكن كلمة الرشد تلقي ظلا آخر وراء هذا كله . ظل النضوج والاستواء والمعرفة الرشيدة للهدى والحق والصواب . ظل الإدراك الذاتي البصير لهذه الحقائق والمقومات , فهو ينشئ حالة ذاتية في النفس تهتدي بها إلى الخير والصواب .
والقرآن يهدي إلى الرشد بما ينشئه في القلب من تفتح وحساسية , وإدراك ومعرفة , واتصال بمصدر النور والهدى , واتساق مع النواميس الإلهية الكبرى . كما يهدي إلى الرشد بمنهجه التنظيمي للحياة وتصريفها . هذا المنهج الذي لم تبلغ البشرية في تاريخها كله , في ظل حضارة من الحضارات , أو نظام من الأنظمة , ما بلغته في ظله أفرادا وجماعات , قلوبا ومجتمعات , أخلاقا فردية ومعاملات اجتماعية . . على السواء .
فآمنا به . .