تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان حافظاً يضرب المثل بحفظه ،ولعلّ من الدلائل التي تشير إلى هذا أنه ـ رحمه الله ـ كان في رحلة إلى مكة وكان في طريقه إلى مكة ، وكان معه جزءان حديثيان لأحد الشيوخ ، ولكنه لم يسمع هذين الجزءين من ذلك الشيخ ، وإنما جزءان يتداولان بين طلاب الحديث ، فحينما كان في الطريق مرّ عليهم ذلك الشيخ ـ صاحب الجزءين ـ فأراد الترمذي أن يسمع هذين الجزءين من هذا الشيخ ، فذهب إليه وأخذ الجزءين معه ، وطلب منه أن يسمعهما عليه فوافق ذلك الشيخ ، فحينما فتح الترمذي الجزءين وجد أنهما بياض ، أخطأ فأخذ جزءين عبارة عن ورق بياض لم يكتب فيهما شيء ظناً منه أنهما الجزءات اللذان فيهما حديث ذلك الشيخ ، ففتح الترمذي الجزءين .

وأخذ الشيخ يُحدث الترمذي من حفظه ـ الشيخ حافظ لأحاديثه ، ثم ألقى نظرة على الترمذي وإذا بالجزءين بياض . فقال له : أما تستحي مني ؟! ثم استفسر الشيخ عن السبب ، فأخبره بأنه يحفظ هذه الأحاديث حفظها . فقال : هات ـ اعرض ، فأخذ الترمذي يُحدثه بتلك الأحاديث التي حدّث بها الشيخ من غير أن يخطئ شيئاً .

فقال : إنك استظهرت ذلك قبل أن تأتيني ـ يعني كنت حافظاً ومعداً نفسك .. قال : لا ، ألفي عليّ ما تريد ، فألقى عليه ذلك الشيخ أربعين حديثاً من غرائب حديثه مما يظن أن الترمذي لم يسمعها من قبل . فأعادها عليه الترمذي حديثاً حديثاً على التوالي من غير أن يخطئ حرفاً .

فقال له ذلك الشيخ : ماظنت أن أحداً مثلك ـ أو نحواً من هذه العبارة ـ إعجاباً منه بحفظ الترمذي(1) ـ رحمه الله ـ

عبادته ـ رحمه الله تعالى :ـ

ومع حرصه على الطلب والتلقي فإن الترمذي ـ رحمه الله ـ صاحب هذه الصفة من صفاته صفاتٌ حسنة أخر ، كجانب العبادة السلوك عموماً ، فنجده رحمه الله ـ ممن وصف بالورع والزهد والعبادة .

(1) انظر : سير أعلام البلاء (13/273) .

مناهج المحدثين (كامل) · الصفحة ٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مناهج المحدثين (كامل)ص ٦٢