…واتباع الهوى من أهم أسباب نشأة كثير من الفرق الضالة ، والطوائف المنحرفة ، لأن أصحاب هذه الفرق قدّموا أهواءهم على الشرع أولاً ، ثم حاولُوا جاهدين أن يستدلوا بالشريعة على أهوائهم ، وحرفوا النصوص والأدلة لتوافق ما هم عليه من البدع ، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها ، بل اعتمدوا على آرائهم وعقولهم في تقرير ما هم عليه ، ثم جعلوا الشريعة مصدرًا ثانويًا ، نظروا فيها بناءً على ما قرروه وأصلوه ، ولأجل ذلك كان السلف يطلقون على أهل البدع ، وفرق الضلال لفظة (( أهل الأهواء )) (48) .
…وإن جميع البدع والمعاصي التي تنشر في المجتمعات إنما تنشأ من تقديم هوى النفس على ما في كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ( ولذا جاء التحذير في الكتاب والسنة من اتباع الهوى ، فقال سبحانه : ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ( (49) ، وقال : ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ( (50) .
…وثبت في الحديث الصحيح : (( اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء )) (51) .
…وفي الحديث الآخر : (( إن مما أخشى عليكم بعدي بطونكم وفروجكم ومضلات الأهواء )) (52) .
…حقًّا إن الهوى أصل كل شر ، وأساس كل بلوى ، وإحداث في الدين على غير منهج قويم ، ولا طريق مستقيم ، ومن هنا يتبين لنا أن اتباع الهوى مما يوقع في الفرقة والاختلاف والخروج عن الجماعة التي أُمر الإنسان بلزومها ، وخاصة فيما يتعلق باتباع الهوى في الديانات ، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الهوى في الشهوات )) (53) .