تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…نعم لقد كان ذلك دأب السلف الصالح ، الذين كانوا يختلفون ويتناظرون مناظرة مناصحة ومشاورة ، مع بقاء الألفة والمحبة بينهم .

…فالصحابة كم حصل بينهم من مسائل النزاع من هذا النوع في أبواب العبادات والمعاملات ؟ بل وفي مسائل قليلة من أمور الاعتقاد ، وكتب أهل العلم مليئة بالأمثلة .

…ومع ذلك لم يعرف أن ذلك كان سبب خصومة وشقاق وهجران بينهم ، وخُذْ على سبيل المثال هذه القصة التي كانت من عبدالله بن مسعود ( فإن عثمان ( لمّا أتم صلاة الظهر والعصر بمنى أربعًا قال عبدالله : لركعتان متقبلتان أحب إليّ من أربع ، ولكني أكره الخلاف في الدين ، وصلّى مع الخليفة أربعًا مع أن له مستندًا من سنة الرسول ( ، ولم يؤدِ الاختلاف بين الصحابيين إلى شقاق أو بغضاء (35) .

…ثم تأمل كذلك هذه الحادثة التي وقعت للإمام الشافعي - رحمه الله - فإنه لقي يومًا يونس الصدفي (36) - رحمه الله - فناظره في مسألة ، فافترقا ، ثم لقيه بعد ذلك ، فأخذ بيده ، وجعل يقول : ألا يستقيم أن نكون إخوانًا ، وإن لم نتفق في مسألة (37) .

* * *

…هذا وإن مما ابتليت به أمتنا اليوم ذلك التعصب الممقوت لأشخاص معينين ، ومعاداة آخين رغم أنهم من حملة الإسلام ، ودعاة القرآن ، وإن هذا لنذير هلاك إن لم ننتبه لذلك ، ونتدارك أنفسنا بالتآلف فيما بيننا ، وترك التحاسد والتباغض ، فلقد حذّر سلفنا الكرام من هذا الفعل الذميم ، والجرم الشنيع ؛ كل ذلك لما يترتب عليه من نتائج فاسدة ، وعواقب وخيمة .

…يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : (( وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته ، ويوالي ، ويعادي عليها ، غير النبي ( ، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله ، وما اجتمعت عليه الأمة ، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة ، يوالون به على ذلك الكلام ، أو تلك السُنة ، ويعادون )) (38) .

* * *

سبل النجاة من الفتنة · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سبل النجاة من الفتنةص ٦