وبعد الانتهاء من استعراض أحوال الملوك الأربعة، يلاحظ التشابه في سير الأمور عندهم وعند ملوك المسلمين فيقول: «ثم ركبهم من الخلاف والمنافسة في أوقات ضعفهم واختلاف ملوكهم كالذي ركبه المسلمون» (ص184). (د)
ويوجد في مختلف مجلدات التاريخ كثير من المعلومات والأخبار المتعلقة بالإفرنج والنصارى، مسطورة بمناسبة الحروب التي قامت بينهم وبين المسلمين في مختلف الأدوار والعهود. •••
ويظهر من كل ما تقدم - بكل وضوح - أن البروفسور غاستون بوتول أخطأ كثيرا عندما زعم أن سكوت ابن خلدون عن أخبار أوروبا والنصرانية كان سكوتا يكاد يكون مطلقا.
وأخطأ عندما قال إن ابن خلدون لم يجعل شئون البلاد النصرانية موضوع ملاحظة أو مقارنة أبدا.
كما أخطأ عندما زعم أن ابن خلدون كان ممن لا يهتمون بكل ما هو خارج عن العالم الإسلامي، وممن يستخفون ويستحقرون العالم الأوروبي النصراني.
| حول فقرة في مقدمة ابن خلدون
إن دراستي عن «التفكير والإيمان» عند ابن خلدون قد أظهرت أنه كان يسير في تفكيره سيرا عقلانيا، حتى في الأمور التي لا تخلو من الصلات بالدين [القسم الثالث: آراء ابن خلدون ونظرياته - التفكير والإيمان].
مع هذا يجدر بنا أن نتساءل: هذه النزعة العلمية والشيئية ، هل كانت تشمل أمور أوروبا النصرانية أيضا؟ هل كان ينظر ابن خلدون إلى أحوال أوروبا النصرانية، كما ينظر إلى أحوال البلاد الإسلامية، بنظرات الباحث العلمي المتجرد عن التحيز والتشيع؟
إن آراء المستشرقين في هذه القضية لا تخلو من التضارب والاختلاف؛ بعضهم يعجب بروح الحياد التي أظهرها ابن خلدون فيما كتبه عن ملوك الدول النصرانية في الأندلس، وبعضهم يذهب إلى أن روح التعصب الإسلامي كان مسيطرا على ابن خلدون في كل ما يتعلق بالشئون الأوروبية والمسيحية.
فيجب علينا أن نبحث ما هو وجه الحقيقة بين هذه الآراء المتضاربة؟ •••
إني لم أجد في جميع فصول المقدمة وأبحاثها ما يدل على التعصب الديني، سوى فقرة واحدة وردت في الفصل الذي يشرح «اسم البابا والبطرك في الملة النصرانية».
تأتي هذه الفقرة بعد ذكر الطوائف الثلاث التي انقسم إليها النصارى، وتنص على ما يلي: «ولم نر أن نسخم أوراق الكتاب بذكر مذهب كفرهم، فهي على الجملة معروفة، وكلها كفر كما صرح به القرآن الكريم، ولم يبق بيننا وبينهم في ذلك جدال ولا استدلال، إنما هو الإسلام أو الجزية أو القتل» (ص114 من طبعة بولاق، و260 من طبعة المطبعة الشرقية بمصر).
وبديهي أن هذه الفقرة تنم عن تعصب ديني يخالف روح البحث العلمي مخالفة صريحة.
ولكن مما لا مجال للشك فيه أيضا أن هذه الفقرة لا تنسجم مع سائر أبحاث المقدمة، وتشذ عنها شذوذا صارخا.
ولذلك رأيت من الضروري أن أتوسع وأتعمق في درس هذه القضية. •••
إن أول ما يلفت النظر في هذا المضمار، هو أن الفقرة المذكورة ليست موجودة في الطبعة البيروتية وفي طبعة مصطفى محمد المصرية المستنسخة منها، ولكنها موجودة في طبعة بولاق، وفي الطبعات المصرية المنقولة عنها، كما أنها موجودة في الترجمتين الفرنسية والتركية.
وذلك يضعنا أمام مسألة جديرة بالبحث؛ عدم وجود الفقرة المذكورة في طبعة بيروت، هل نتج من عدم وجودها في مخطوطة استندت إليها الطبعة المذكورة؟ أم نتج عن حذفها من قبل الناشرين عند الطبع عن قصد وتصميم؟
إننا لسنا في وضع يخولنا الإجابة على هذا السؤال بصيغة الجزم؛ لعدم علمنا بأصول الطبعات الموجودة بين أيدينا، ومع هذا لا نستبعد أن تكون الفقرة المذكورة قد حذفت خلال الطبع؛ مراعاة لشعور المواطنين المسيحيين. ولكن مهما يكن الأمر - وعلى فرض أنها موجودة في جميع الطبعات وفي المخطوطات التي صارت أساسا لتلك الطبعات - نستطيع أن نواصل بحث الأمر عن طريق «النقد الداخلي»، و«مقارنة أساليب التفكير والبيان». •••