تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما تجب ملاحظته أن الفصل المذكور يأتي عقب فصول الخلافة وإمارة المؤمنين، ويتضمن مقارنة بين الخلافة في الإسلام، وبين رئاسة الملة عند النصارى.

يبدأ الفصل بتقرير أمور تشمل جميع الأديان السماوية: «اعلم أن الملة لا بد لها من قائم عند غيبة النبي، يحملهم على أحكامها وشرائعها، ويكون كالخليفة فيهم للنبي فيما جاء به من التكاليف. والنوع الإنساني - أيضا - بما تقدم من ضرورة السياسة فيهم للاجتماع البشري، لا بد لهم من شخص يحملهم على مصالحهم، ويزعهم عن مفاسدهم بالقهر، وهو المسمى الملك» (ص230).

ثم يعقب ذلك مقارنة بين الملة الإسلامية والملل الأخرى، من جهة الرياسة الدينية والرئاسة السياسية؛ إن دعوة الدين الإسلامي تشمل جميع بني البشر وتتطلب الجهاد؛ ولذلك ترتبط الرئاسة الدينية بالرئاسة السياسية ارتباطا وثيقا، ولكن الديانات الأخرى لم تفرض الجهاد؛ ولذلك لا يشتغل القائم بأمر الدين فيها بشيء من أمور السياسة.

وفيما يلي نص ما جاء في هذه المقارنة: «والملة الإسلامية لما كان الجهاد فيها مشروعا لعموم الدعوة وحمل الكافة على دين الإسلام طوعا أو كرها، اتحدت فيها الخلافة والملك؛ لتوجه الشوكة من القائمين بها إليهما معا. وأما ما سوى الملة الإسلامية فلم تكن دعوتهم عامة، ولا الجهاد عندهم مشروعا، إلا في المدافعة فقط؛ فصار القائم بأمر الدين فيها لا يعنيه شيء من سياسة الملك. وإنما وقع الملك لمن وقع منهم بالعرض ولأمر غير ديني، وهو ما اقتضته لهم العصبية؛ لما فيها من الطلب للملك بالطبع كما قدمناه؛ لأنهم غير مكلفين بالتغلب على الأمم كما في الملة الإسلامية، وإنما هم مطلوبون بإقامة دينهم في خاصتهم» (ص231).

ويأتي في الفصل المذكور بعد ذلك تفاصيل كثيرة عن تطور الكنيسة المسيحية وانقسامها إلى طوائف الملكية واليعقوبية والنسطورية، وتستغرق هذه التفاصيل ثلاث صحائف كاملة. •••

أعتقد أن النصوص التي نقلتها، والأبحاث التي أشرت إليها آنفا تكفي للبرهنة على أن ما ذهب إليه البروفسور بوتول في هذا الصدد لا يستند إلى أي أساس صحيح.

ومع هذا أرى من المفيد أن أتوسع قليلا في هذا البحث بمراجعة مجلدات «التاريخ» نفسه أيضا؛ وذلك لأن الأبحاث المتعلقة بالممالك النصرانية في تاريخ ابن خلدون، أوسع بكثير مما في مقدمته، كما يتضح من الأمثلة التالية: (أ)

المجلد الثاني من تاريخ ابن خلدون يضم فصلا طويلا في «الخبر عن شأن عيسى ابن مريم - صلوات الله عليه - في ولادته وبعثته ورفعه من الأرض، والإلمام بشأن الحواريين بعده، وكتبهم الأناجيل الأربعة، وديانة النصارى بملته، واجتماع الأقسة على تدوين شريعته» (ص143-153).

يتتبع ابن خلدون في هذا الفصل نشوء الطائفة النصرانية، ويشرح الفروق التي تميز الطوائف المذكورة بعضها عن بعض، ولا يعتذر عن التكلم في أمور تخالف الديانة الإسلامية خلال هذه الأبحاث التي تشغل إحدى عشرة صحيفة. (ب)

وفي المجلد الثاني أيضا سلسلة فصول في دولة اليونان والروم واللطين والقوط، تشغل هذه الفصول ثلاثا وخمسين صفحة (ص184-236).

وأرى من المفيد أن أنقل - فيما يلي - ما يقوله ابن خلدون عن «الملوك القياصرة المتنصرين» في أحد هذه الفصول: «هؤلاء الملوك القياصرة المتنصرة من أعظم ملوك العالم وأشهرهم، وكان لهم الاستيلاء على جانب البحر الرومي من الأندلس إلى روما، إلى قسطنطينية، إلى الشام، إلى مصر والإسكندرية، إلى إفريقية والمغرب» (ص210). (ج)

في المجلد الرابع فصل عنوانه «الخبر عن ملوك بني أدفونش من الجلالقة، ملوك الأندلس بعد القوط ولعهد المسلمين، وأخبار من جاورهم من الفرنجة والبشكنس والبرتغال والإلمام ببعض أخبارهم»، يقع هذا الفصل في ست صحائف (ص179-185).

يقول ابن خلدون في بداية الفصل ما يلي: «والملوك لهذا العهد من النصرانية أربعة في العمالات المحيطة بعمالة المسلمين، قد ظهر إعجاز الملة في مقامهم معهم وراء البحر، بعدما استرجعوا من أيديهم ما نظمه الفتح الإسلامي أول الأمر. وأعظم هؤلاء الملوك الأربعة قشتالة، وعمالاته عظيمة متسعة.»

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٦١