تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أول ذكر لاسم ابن خلدون في البلاد الأوروبية قد جرى بواسطة كتاب أحمد بن عربشاه، المشهور باسم «عجائب المقدور في أخبار تيمور»؛ فقد طبع نصه العربي سنة 1636 على يد غوليوس

Jacob Golius ، ونشرت ترجمته للفرنسية سنة 1658 على يد «بيار فاتيه»

Pierre Vattier ، وترجمته إلى اللاتينية سنة 1767 على يد مانجر

Samuel Manger .

ومن المعلوم أن أحمد بن عربشاه وصف في كتابه هذا بين ما وصفه من أخبار تيمورلنك، ملاقاته مع ابن خلدون في دمشق. فكان هذا الوصف أول ذكر لاسم ابن خلدون في كتاب طبع ونشر في البلاد الأوروبية.

وأما الكتاب الثاني الذي نقل اسم ابن خلدون إلى الغرب فهو «كشف الظنون»؛ لأن الكتاب المذكور أثار اهتمام المستشرقين، فحملهم على ترجمته إلى اللاتينية من جهة، وإلى الفرنسية من جهة أخرى، ومن المعلوم أنه يذكر ابن خلدون مرات عديدة.

ولا حاجة إلى البيان أن ذكر اسم ابن خلدون بهذه الصورة العرضية في كتابين مترجمين من اللغة العربية، ما كان يكفي للفت أنظار الأوروبيين؛ ولذلك ظل ابن خلدون مغمورا ومجهولا في أوروبا حتى القرن التاسع عشر. (3)

لقد كتب بارتلمي دربلو

D’Herbelot

مقالة عن ابن خلدون في مكتبته الشرقية التي نشرت سنة 1697، ولكن المقالة المذكورة كانت مليئة بالأغلاط، وفضلا عن ذلك كانت بعيدة عن إظهار أهمية مؤلفات ابن خلدون.

ومما يبرهن على بعد المستشرقين عن تقدير أهمية ابن خلدون، أن المخطوطة رقم 769 المحفوظة في دار الكتب الملكية بباريس، كانت موصوفة في فهارس الدار كما يلي: «كتاب أخبار لابن خلدون الإفريقي المولود في حضرموت، والذي كان قاضيا في حلب عندما استولى تيمورلنك على المدينة المذكورة، مات سنة 808 في سمرقند.»

يلاحظ أن كل ما جاء في هذا الوصف مغلوط تماما؛ أولا: إن المخطوطة المذكورة لم تكن من مؤلفات ابن خلدون، بل هي من مؤلفات شهاب الدين الفاسي المقري. ثانيا: إن ابن خلدون لم يولد في حضرموت، ولم يكن قاضيا في حلب، ولم يمت في سمرقند.

وأما مقدمة ابن خلدون الحقيقية - والتي كانت محفوظة في الدار المذكورة تحت رقم 1015 - فلم تستلفت أنظار أحد من الباحثين.

ولذلك كله نستطيع أن نؤكد أن ابن خلدون لم يكن معلوما في أوروبا حتى القرن التاسع عشر. وأما الإشارات المسرودة آنفا فكانت بعيدة عن تفهيم الباحثين بأنها تعود «إلى مؤرخ عظيم من أعمق باحثي الظواهر الاجتماعية». (4)

أما أولى الترجمات عن مقدمة ابن خلدون فتعود إلى سنة 1806، حيث نشر «سيلفستر دي ساسي» ترجمة فرنسية لأبحاث البيعة وشارات الملك مع الفقرة الأخيرة من الديباجة، وقد نشر المشار إليه بعد ذلك سنة 1810 أيضا ترجمة بعض الأبحاث الأخرى، ولكن جميع تلك الأبحاث لم تكن مما يظهر أهمية المقدمة إظهارا كافيا.

وأما أول من قدر أهمية المقدمة حق التقدير، ولفت أنظار الباحثين إليها فكان المؤرخ المستشرق النمساوي المشهور «هاممر بورشتغال». قد نشر سنة 1812 رسالة باللغة الألمانية عن «اضمحلال الإسلام بعد القرون الثلاثة الأولى للهجرة»، أشار فيها إلى نظريات ابن خلدون، وخلع عليه لقب «مونتسكيو العرب»

ein arabische Montesquieu .

إن ما قاله «هاممر» عن ابن خلدون في رسالته هذه أثار استغراب المستشرقين، ومع هذا حملهم على زيادة الاهتمام بالمقدمة، وصارت تتوالى ترجمة المقتطفات منها، ونشر الأبحاث عنها.

وقد نشر «هاممر» نفسه سنة 1822 عناوين فصول الأبواب الخمسة الأولى من المقدمة، استنادا إلى ما اطلع عليه في إسطنبول، وبعد ذلك بسنتين نشر «غارسن دي تاسي» عناوين فصول الباب السادس أيضا، استنادا إلى المخطوطة التي عثر عليها في دار الكتب الملكية بباريس.

وفي سنة 1825 قام «شولتز» بدعاية قوية لمقدمة ابن خلدون، وتمنى أن يراها «مترجمة ترجمة كاملة».

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٥٣