تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكثيرا ما كان بعض الوزراء ينتفضون على سلاطينهم؛ يخلعونهم أو يقتلونهم، وينصبون محلهم أحد الأمراء القاصرين؛ لكي يبقوا هم أصحاب الأمر والنهي تحت ستار الكفالة - أي الوصاية - عن السلطان الجديد.

ولا حاجة إلى البيان أن هؤلاء قلما كانوا يستطيعون أن يستمتعوا بالحكم مدة طويلة بعدما يتوصلون إليه بمثل هذه الوسائل؛ لأن كل ثورة من هذا القبيل كانت تثير أطماح الآخرين، وتفتح بابا لثورات معاكسة ومنافسة، فلا تترك مجالا لاستقرار الأمور على حال من الأحوال.

وهكذا كانت القلاقل والاضطرابات والانقلابات تتوالى بدون انقطاع. «إن ابن خلدون دخل الحياة العامة وخاض غمار الحياة السياسية مدة ربع قرن، في هذا العصر الذي كان يغلي بشتى أنواع الفتن والثورات، ومما تجدر الإشارة إليه أنه قضى معظم سني حياته السياسية في بلاد المغرب الأوسط التي كانت بمثابة البؤرة الأساسية في هذه التقلبات.» (2)

ولإعطاء فكرة واضحة عن التقلبات السياسية التي كانت تتوالى في بلاد المغرب، نرى أن نستعرض هنا طائفة من الوقائع التي حدثت خلال حياة ابن خلدون نفسه: (أ)

إن السلطان المريني «أبو الحسن» عندما تولى الملك أخذ يسعى إلى توسيع حدود مملكته؛ فاستولى أولا على تلمسان، وقضى على دولة بني عبد الواد، ثم واصل الحروب والفتوح نحو الشرق، فاستولى على بجاية التي كانت تابعة إلى إفريقية، واعتقل الأمير الحفصي الذي كان يحكمها، ونقله مع سائر الأمراء إلى تلمسان، وفرض على جميعهم الإقامة هناك بعيدين عن بلادهم، وبعد ذلك استولى على قسنطينة أيضا، وأبعد أميرها الحفصي إلى فاس.

وفي الأخير واصل الزحف نحو الشرق، إلى أن استولى على تونس، واستطاع بذلك أن يجمع تحت حكمه بلاد المغرب - الأدنى والأوسط والأقصى - من خليج قابس إلى البحر المحيط. «كان ابن خلدون إذ ذاك في السادسة عشر من العمر.» (ب)

إلا أن حكم هذا السلطان المريني على تونس لم يدم أكثر من سنتين؛ لأن القبائل التي كانت ساعدته على فتح تونس انقلبت عليه بعد سنة وحاصرته في القيروان.

وعندما وصلت أخبار واقعة القيروان إلى تونس تشجع أهل المدينة، وثاروا على الحكام المرينيين، وحاصروهم في القصبة، وأعلنوا ولاءهم للحفصيين، وبعد مدة وجيزة اقتدى بهؤلاء أهالي قسنطينة أيضا، وثاروا على حكم بني مرين.

وأما السلطان أبو الحسن، فبعد أن بقي محاصرا في القيروان مدة من الزمن، استطاع أن يتفق مع بعض القبائل ويخترق الحصار، ويخرج إلى مدينة سوسة، وينتقل منها إلى تونس عن طريق البحر، وهناك تغلب على الثوار، وفك الحصار عن جماعته المحاصرين في القلعة، وأخضع بذلك البلاد إلى حكمه مرة ثانية.

غير أنه لم يكد ينتهي من إخماد هذه الثورة إلا واستخبر أن ابنه «أبو عنان» الذي كان تركه في فاس نائبا عنه قد انتقض عليه، وأعلن نفسه سلطانا على المغرب.

ولذلك اضطر السلطان أبو الحسن إلى مغادرة تونس بحرا؛ بغية إخماد ثورة ابنه عليه، تاركا ابنه الآخر «أبو الفضل» في تونس؛ لينوب عنه في حكم إفريقية. (ج)

ولكن جماعة الحفصيين لم يتأخروا في الاستفادة من هذه الحوادث للتخلص من حكم المرينيين.

فإن الوزير «ابن تافراكين» - الذي كان تزعم ثورة التونسيين على السلطان «أبو الحسن» ثم فر إلى الإسكندرية عند تغلب السلطان عليهم - أسرع في العودة إلى تونس وتغلب على نائب السلطان المريني وأقصاه عن إفريقية، ثم نصب على العرش السلطان «أبو إسحاق الحفصي»، على أن يكون تحت كفالته ووصايته. «ابن خلدون دخل الحياة العامة في هذا العهد؛ إذ عينه الوزير ابن تافراكين كاتبا للعلامة لهذا السلطان.» (د)

ولكن منصب السلطان «أبو إسحاق» تحت كفالة ابن تافراكين لم يرق لصاحب قسنطينة؛ لأنه كان أميرا حفصيا، فكان يرى نفسه أحق بالسلطنة؛ ولذلك ثار على الحكم الجديد، وزحف بجيوشه على تونس وحاصر المدينة.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٥