فيجدر بنا أن نستعرض أحوال ذلك العصر في كل واحد من هذين العالمين على حدة. (1) العالم العربي
كان العالم العربي ينقسم في عهد ابن خلدون بين الناس وبين الكتاب إلى قسمين أساسيين؛ المغرب والمشرق.
فإن البلاد التي تمتد بين مصر وبين البحر المحيط كانت تعتبر «المغرب»، في حين أن مصر وما يليها من البلاد العربية كانت تعتبر «المشرق».
إن سكان المغرب لا يزالون يتمسكون بهذه الأسماء، فيعتبرون أنفسهم «مغاربة»، ويسمون أهل مصر والشام والعراق والحجاز «مشارقة».
وأما الأندلس فكانت مغربية بوضعها الجغرافي، وإن كانت منفصلة عما يسمى «بلاد المغرب» بوجه عام. (1-1) الأندلس
كانت معظم بلاد الأندلس قد خرجت من حوزة العرب ودخلت تحت حكم الإسبان، بما في ذلك أهم مراكز الحضارة الأندلسية، من طليطلة وقرطبة إلى إشبيلية، وكان جماعات كبيرة من سكانها العرب قد جلت عنها إلى المغرب وإلى إفريقية - أي إلى مراكش وتونس، ولم يبق تحت حكم العرب هناك سوى قطعة صغيرة في الجنوب الغربي تكاد تنحصر بين غرناطة وبين المرية وجبل الفتح.
وكان يحكم هذه البقية الباقية من الأندلس «بنو الأحمر»، ولكن أمراء هذه الأسرة نفسها كثيرا ما كانوا يتنافسون على الحكم ويتخاصمون عليه، وكانوا يتخاصمون في بعض الأحيان مع سلاطين المغرب أيضا.
وكثيرا ما كان الأمراء والحكام الذين يفشلون في ثوراتهم على سلاطينهم يلتجئون إلى المغرب إذا كانوا من الأندلسيين، وإلى الأندلس إذا كانوا من المغاربة، وإذا حدث خلاف بين سلطان المغرب وسلطان الأندلس - لسبب من الأسباب - راح كل واحد منهما يطلق زعماء الثورة اللاجئين إلى بلاده؛ بغية إحداث شغب واضطراب في بلاد خصمه. «إن ابن خلدون رحل إلى الأندلس مرتين؛ في المرة الأولى مكث فيها ثلاث سنوات ثم غادرها باختياره، ولكنه في المرة الثانية لم يمكث فيها إلا بضعة أشهر وغادرها مكرها.» (1-2) المغرب العربي
وأما بلاد المغرب فكانت تجزأت - منذ انقراض دولة الموحدين - إلى ثلاث دول، يحكمها ثلاث أسر حاكمة؛ بنو مرين في المغرب الأقصى، بنو عبد الواد في المغرب الأوسط، وبنو حفص في المغرب الأدنى الذي كان يسمى «إفريقية». (1)
كانت دولة بني عبد الواد أضعف هذه الدول الثلاث، وأشدها تعرضا إلى الفتن والتقلبات؛ لأنها كانت محصورة بين الدولتين الأخرتين، فكانت مضطرة إلى توزيع قواها على الجبهتين، وفضلا عن ذلك فإن عاصمتها تلمسان لم تكن بعيدة عن مدينة فاس، التي كانت عاصمة بني مرين الأقوياء.
ولذلك كانت حدود هذه الدولة في حالة جزر ومد؛ تتوسع تارة، وتتقلص طورا، وتتلاشى في بعض الأحيان، فقد استولى بنو مرين على عاصمتها عدة مرات، فاضطر أمراؤها إلى الانتباذ في الجبال والقفار، أو الالتجاء إلى الأقطار العربية الأخرى؛ انتظارا لسنوح الفرص التي تساعدهم على استعادة ملكهم، واسترداد عاصمتهم من المستولين عليها.
إن أحوال الدولة المرينية والدولة الحفصية كانت أكثر استقرارا من ذلك، إلا أن هذا الاستقرار كان نسبيا؛ كان الحكم قد استقر في الأسرة المرينية في فاس، والأسرة الحفصية في تونس، ولكن أفراد كل واحدة من هاتين الأسرتين قلما كانوا ينقطعون عن التنافس على الملك والسلطان، وكثيرا ما كان السلاطين أنفسهم يوزعون بلادهم على أولادهم، ويقطعون لكل واحد منهم إمارة يستمتع بحكمها طول حياته، وقد يورثها إلى أولاده بعد مماته، وكثيرا ما كان هؤلاء الأمراء يسعون إلى توسيع حدود إماراتهم على الرغم من وشائج القرابة القائمة بينهم وبين جيرانهم، وكثيرا ما كانت تنشب حروب ومخاصمات بين أبناء العم، أو بين الإخوة، وقد سجل التاريخ مخاصمات وحروبا عديدة قامت بين الآباء والأبناء أيضا.
وطبيعي أن حكام الأقاليم كثيرا ما كانوا يستفيدون من المنافسات التي تقوم بين أفراد الأسرة المالكة، ويستقلون في شئون البلاد التي يحكمونها، ويوجدون بذلك دويلات شبه مستقلة لا ترتبط بالدولة المركزية إلا بروابط اسمية واهية.