تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع هذا نرى من الضروري أن نقف قليلا على ما جاء في الكتاب المذكور حول قضية المصادفة والمعجزة.

فقد قال الدكتور طه حسين بعد أن شرح رأي ابن خلدون في المصادفة: «ولئن لم يقر المصادفة فإنه يقر بمبدأ آخر، أبلغ تقويضا لقانون السبب من المصادفة، ويريد بذلك التأثير الخارق للعادة» (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، ص41).

صحيح أن ابن خلدون كان يعتقد بالمعجزات، وكان يقر بتأثيرها «الخارق للعادة»، ولكننا - مع اعترافنا بذلك - لا نوافق الدكتور على قوله: «إن إقرار هذا المبدأ هو أبلغ تقويضا لقانون السبب من المصادفة.»

لأن المصادفة - حسب المعنى المفهوم منها - قد تحدث في كل حين؛ ولذلك تناقض قانون السببية على خط مستقيم، ولكن المعجزة - حسب المعنى المتعارف عنها - لا تحدث إلا في بعض الأدوار، وفي أحوال نادرة جدا، فلا تنفي قانون السببية نفيا باتا، وإن خرجت عليه وشذت عنه.

فإن القول بالمصادفات يعني إنكار وجود قانون السبب من أساسه، ولكن القول بالمعجزات لا يعني إنكار هذا القانون، إنما يعني وجود «شواذ» تخرج عن نطاق شموله.

فإذا راجعنا تواريخ العلوم المختلفة؛ نجد فيها أمثلة كثيرة على ذلك؛ إن قانون السببية لم يتقرر - في ساحة من ساحات البحث والنظر - إلا بعد استبعاد مبدأ المصادفة من تلك الساحة. وأما فكرة المعجزة فقد عاشت بجانب قانون السببية في مختلف ساحات الطبيعة لمدد غير يسيرة.

إذا ألقينا نظرة عامة إلى تاريخ تقدم الأفكار البشرية؛ وجدنا أن المفكرين عندما قالوا بمبدأ السببية، وحاولوا أن يستكشفوا قوانين الطبيعة على ضوء هذا المبدأ، لم يعتبروه جاريا على كل شيء بدون أي استثناء في أي حال من الأحوال، بل إنهم قرروا هذا المبدأ تدريجيا، ووسعوا ساحة شموله شيئا فشيئا، حتى إن علماء الفلك أنفسهم عندما اكتشفوا قانون الجذب العام، وحاولوا تعليل وتفسير حركات الأجرام السماوية بهذا القانون - بعد ابن خلدون بعدة قرون - لاحظوا بعض الشذوذ في حركات الأجرام السماوية، ولما لم يستطيعوا تفسير هذه الحركات بمقتضيات قانون الجذب العام؛ ذهبوا إلى أن نظام العالم يسير إلى الاختلال لو لم تتعهده «قدرة خارقة» تنظمه وتشده من جديد من وقت إلى وقت، وبالأحرى من دهر إلى دهر، كما ننصب نحن ساعاتنا ونشدها؛ لضمان سيرها بدون توقف. إن «نيوتن» العظيم نفسه أبدى هذا الرأي إتماما لقانون الجذب العام الذي اكتشفه بعبقريته الفذة. فهل رأى الدكتور طه حسين من يقول إن نيوتن اكتشف قانون الجذب العام، غير أنه قرر نظرية تقوض هذا القانون؟

وكذلك علماء الكيمياء الذين اكتشفوا قوانين التفاعلات الكيماوية، وتتبعوا علل تلك التفاعلات، ظنوا - في بادئ الأمر - أن حدود تلك القوانين والعلل تقف عند عتبة الحياة، وبتعبير آخر: اعتقدوا أن الحياة تخرق قوانين الكيمياء، وأن القوى الحيوية لا تتقيد بقيود تلك القوانين. فهل رأينا من يقول إن هؤلاء العلماء كانوا يقرون بمبدأ يقوض قانون السببية؟

إن المفكرين والعلماء الذين اكتشفوا علل الحادثات الطبيعية لم ينفوا المعجزات نفيا باتا، حتى خلال القرن التاسع عشر؛ فإن «تقويض قانون السببية شيء»، وقبول مبدأ «المعجزة التي تشذ عن قوانين الطبيعة في أحوال فوق العادة، بإرادة الخالق ومشيئته» شيء آخر.

إنني لا أقول بوجوب قبول هذا المبدأ وهذا الرأي، غير أنني أود أن أشير إلى هذه الحقيقة الراهنة؛ إن علماء الطبيعة أنفسهم لم يتخلصوا من مثل هذه الاعتقادات والاستثناءات مدة قرون طوال، فلا يحق لنا أن نلوم ابن خلدون على اعتقاده بالمعجزات، إلى درجة اتهامه بقبول مبدأ «يقوض قانون السببية».

4

هذا ونرى من الواجب علينا أن نناقش كتاب الدكتور طه حسين من وجهة نظره إلى أخلاق ابن خلدون السياسية أيضا.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٣٩