إن تنظيم الحياة الاجتماعية وتصريف أمور الملك يتطلب الرجوع إلى قوانين سياسية مفروضة، يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها. وهذه القوانين قد تكون «مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها»، وقد تكون مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها» (ص190). «إن الملك السياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار» (ص191). «والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها» (ص191). (4)
يظهر من كل ذلك بوضوح تام أن الشريعة - على رأي ابن خلدون - لا تشتغل بكل شيء، فلا تستهدف جميع شئون الحياة؛ فإن ساحة عملها محدودة بحدود، هي ما تقتضيه المصالح الأخروية. وأما الأمور التي هي خارجة عن نطاق تلك الحدود، فمتروكة إلى بحث الفكر وحكم العقل. وهذا العقل إنما هو نعمة من نعم الله على البشر؛ لأن «الله سبحانه وتعالى» هو الذي ميز الإنسان من الحيوان بهذا العقل. والإنسان يستطيع أن يستنبط سنة الله في خلقه بقوة العقل، كما أنه يستطيع أن يستفيد من تلك السنن الثابتة في «جلب المنافع ودفع المضار» في حياته الشخصية والاجتماعية، وفي تقرير سياسة عقلية. (5)
إن هذه النزعة الفكرية - بجانب ذلك الإيمان الديني - هي التي تحمل ابن خلدون على السير في تفكيره سيرا عقلانيا مستقلا عن أحكام الدين.
فإننا إذا استثنيا الفصول التي تحوم مواضيعها حول المسائل الدينية والشرعية مباشرة، نجد أن ابن خلدون يستند في جميع أبحاثه وتعليلاته على الدلائل العقلية والمنطقية وحدها. وأما الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فلا يذكرها عادة إلا بعد الانتهاء من التفكير والتعليل، وإذا ذكرها أحيانا خلال البحث فإنما يذكرها في غالب الأحوال بقصد تأييد القضايا التي كان قد توصل إليها بنظره العقلي، كما يذكرها في بعض الأحيان بقصد دفع الاعتراضات التي قد توجه إليه مستندا إلى مضامين تلك الآيات والأحاديث.
ونحن نستطيع أن نقول بناء على كل ما سبق، إن ابن خلدون كان من المفكرين الذين يعتمدون على العقل ويثقون به، ويرون لزوما للاستناد إليه.
3 (1)
ولكن ابن خلدون لا يسترسل في الاعتماد على العقل استرسالا كليا، بل يقرر أن نطاق مدركات العقل أيضا محدود بحدود طبيعية لا سبيل إلى اجتيازها بالمحاكمات النظرية وحدها. فإن العقل البشري عاجز عن إدراك ما يقع وراء الحس؛ من أمور التوحيد، ومسائل المعاد، وحقائق صفات الله، وسائر أمور الروحانيات.
إنه يقرر ذلك بعبارة صريحة تماما: «لا تثقن بما يزعم لك العقل من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله» (ص459).
ويبرهن على رأيه هذا بسلسلة محاكمات عقلية:
إن مدركاتنا العقلية تعتمد على حواسنا، وحواسنا محدودة، فمن الطبيعي أن تكون مدركاتنا أيضا محدودة.
ونحن نعلم أن الأعمى لا يدرك المبصرات، والأصم لا يعرف شيئا عن المسموعات، فيجب علينا أن نسائل أنفسنا - قياسا على ذلك - ألا يوجد في الكون ما يبقى خارجا عن إدراك جميع حواسنا، كما تبقى المبصرات خارجة عن إدراك الأعمى؟ إننا إذا أجبنا على ذلك بالنفي - وأنكرنا هذا الاحتمال - نكون كالأعمى الذي ينكر المبصرات لحرمانه من حاسة البصر، وكالأصم الذي ينكر وجود المسموعات لحرمانه من نعمة السمع. فلا يجوز لنا أن ننكر ما يقع وراء الحس والإدراك، بل يجب علينا أن نعتمد في هذا المضمار على الشرع وحده، وأن نؤمن بكل ما جاء به في هذا الصدد من غير أن نلجأ إلى تحكيم عقولنا فيه.
ابن خلدون يقرر ذلك بكل وضوح: «اعلم أن الوجود عند كل مدرك - في بادئ رأيه - منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه؛ ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربعة والمعقولات، ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات؟ وكذلك الأعمى أيضا يسقط عنده صنف المرئيات. ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة لما أقروا به، لكنهم يتبعون الكافة في إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم. ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه منكرا للمعقولات، وساقطة لديه بالكلية. فإذا علمت هذا فلعل هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا؛ لأن إدراكاتنا مخلوقة ومحدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس. والحصر مجهول، والوجود أوسع نطاقا من ذلك، والله من ورائهم محيط. فاتهم إدراكك ومدركاتك في الحصر، واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بنفعك؛ لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك» (ص460). (2)