تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكنه يدرك حكم التقاليد في مثل هذه الأمور، فيقول: «ولكنه داء لا يرتفع؛ لاستقرار العوائد عليه، فصارت كالطبيعة التي لا يمكن نقلها ولا تحويلها» (ص532).

ثم يذكر ابن خلدون مثالا آخر من علم العربية: «يمثل أيضا علم العربية من كتاب سيبويه وجميع ما كتب عليه، وطرق البصريين والكوفيين، والبغداديين والأندلسيين من بعدهم، وطرق المتقدمين والمتأخرين؛ مثل ابن الحاجب، وابن مالك، وجميع ما كتب في ذلك. كيف يطالب به المتعلم، ويقضي عمره دونه، ولا يطمع أحد في الغاية منه، إلا في القليل النادر» (ص533).

ولذلك كله يقول ابن خلدون: «فالظاهر أن المتعلم ولو قطع عمره في هذا كله فلا يفي له بتحصيل العلوم العربية - مثلا - الذي هو آلة من الآلات ووسيلة، فكيف يكون في المقصود الذي هو الثمرة؟» (ص533). (2)

وأما القاعدة القائلة: «إن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم»، فيشرحها ابن خلدون ويعللها كما يلي: «ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق والأنحاء في العلوم، يولعون بها ويدونون منها برنامجا مختصرا في كل علم، يشتمل على حصر مسائله وأدلتها، باختصار في الألفاظ، وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن؛ وصار ذلك مخلا بالبلاغة، وعسرا على الفهم. وربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في الفنون - للتفسير والبيان - فاختصروها تقريبا للحفظ، كما فعله ابن الحاجب في الفقه، وابن مالك في العربية، والخونجي في المنطق وأمثاله. وهو فساد في التعليم، وفيه إخلال بالتحصيل: (أ) «وذلك لأن فيه تخليطا على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه، وهو لم يستعد لقبولها بعد، وهو سوء التعليم» (ص532). (ب) «ثم فيه شغل كثير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها، وصعوبة استخراج المسائل من بينها؛ لأن ألفاظ المختصرات تجدها لذلك صعبة عويصة، فينقطع في فهمها حظ صالح من الوقت» (ص532-533). (ج) «ثم بعد ذلك فالملكة الحاصلة من التعليم في تلك المختصرات - إذا تم على سداده ولم تعقبه آفة - فهي ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة، بكثرة ما يقع في تلك من التكرار والإحاطة المفيدين لحصول الملكة التامة. وإذا اقتصر على التكرار قصرت الملكة لقلته، كشأن هذه الموضوعات المختصرة» (ص533).

ولذلك كله يرى ابن خلدون أن هذه الخطة سيئة وخاطئة، فيقول: «قصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلمين، فأركبوهم صعبا يعطلهم عن تحصيل الملكات النافعة وتمكنها» (ص533).

| التفكير والإيمان

العقل والنقل

1

إن مقدمة ابن خلدون - بهيئتها المجموعة - تدل دلالة واضحة على أن مؤلفها مؤمن قوي الإيمان؛ إنه يؤمن بالله وبالإسلام إيمانا راسخا عميقا.

وآثار هذا الإيمان ودلائله بارزة للعيان في جميع فصول المقدمة، ولا يوجد في تلك الفصول فقرة واحدة يمكن أن تعتبر دليلا على أن ابن خلدون قد خامره شك في الله والدين، ولو لحظة واحدة في مسألة واحدة. (1)

يخصص ابن خلدون فصولا كثيرة لبحث بعض المسائل الدينية والشرعية؛ إنه يتكلم في إحدى مقدمات الباب الأول عن الوحي والنبوة (ص96-119). ويخصص عدة فصول من الباب الثالث لمسائل الخلافة والإمامة، والأمور المتفرعة منها (190-226). كما أنه يخصص عدة فصول من الباب السادس لعلوم الدين والشريعة؛ من علوم القرآن والحديث، إلى علم الفقه وأصول الفقه، وعلم الكلام، والتصوف (ص437-475).

إن ما يكتبه ابن خلدون في جميع هذه الفصول الخاصة بالأمور الدينية والشرعية ينم عن إيمان راسخ صادق. (2)

زد على ذلك أن ابن خلدون يختتم كل فصل من فصول المقدمة - تقريبا - بذكر الله، وبنقل آية من آيات القرآن المناسبة للمقام. إنه لا يحيد عن هذه الخطة إلا في بضعة فصول، لا يتجاوز عددها الاثني عشر، ولكنه - مقابل ذلك - يطبق هذه الخطبة في بعض الفصول الطويلة بمقياس أوسع؛ إنه يختتم كل قسم من أقسام الفصل أيضا بذكر الله، وبنقل شيء من كلام الله.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٠٢