تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعلمنا ابن خلدون أن الاهتمام بالعلم والتعليم كان على وشك الزوال من بلاد المغرب: «فقد كاد العلم ينقطع بالكلية من المغرب» (ص422). «إن سند تعليم العلم لهذا العهد كاد ينقطع عن أهل المغرب» (ص430). «لقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب؛ لتناقص العمران فيه، وانقطاع سند العلم والتعليم» (ص436).

وكذلك الأمر في الأندلس: «أما أهل الأندلس فذهب رسم التعليم من بينهم.» «وذهبت عنايتهم بالعلوم؛ لتناقض عمران المسلمين بها منذ مئين من السنين، ولم يبق من رسم العلم فيهم إلا فن العربية والأدب، اقتصروا عليه، وانحفظ سند تعليمه بينهم فانحفظ بحفظه. وأما الفقه بينهم فرسم خلو وأثر بعد عين. وأما العقليات فلا أثر ولا عين.» «وما ذاك إلا لانقطاع سند التعليم فيها بتناقص العمران ، وتغلب العدو على عامتها إلا قليلا بسيف البحر، شغلهم بمعايشهم أكثر من شغلهم بما بعدها» (ص32).

وأما المشرق فكان أرقى البلاد الإسلامية في ذلك العهد من وجهة العلم والتعليم: «المشرق، والظن به نفاق العلم فيه، واتصال التعليم في العلوم وسائر الصنائع الضرورية والكمالية؛ لكثرة عمرانه والحضارة، ووجود الإعانة لطالب العلم بالجراية من الأوقاف التي اتسعت بها أرزاقهم» (ص437). «يبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة، وخصوصا في عراق العجم وما بعده في ما وراء النهر، وأنهم على أبح من العلوم العقلية؛ لتوفر عمرانهم، واستحكام الحضارة فيهم» (ص481).

هذا ونرى من المفيد أن نسجل هنا ما أشار إليه ابن خلدون عن حالة تعليم العلوم الفلسفية في أوروبا في ذلك العهد: «بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنجة - من أرض روما وما إليها من العدوة الشمالية - نافقة الأسواق، وأن رسومها هناك متجددة، ومجالس تعليمها متعددة، ودواوينها جامعة متوفرة، وطلبتها متكثرة» (ص481). (4) التأليف والتعليم

يتكلم ابن خلدون عن الكتب التي يؤلفها العلماء والمعلمون، ويدرسها الطلاب والمتعلمون، كلاما عاما في ثلاثة فصول؛ ويقرر في أحدها «أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل» (ص153)، وفي الثاني منها «أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم» (ص532)، ويعين في ثالثها «المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف وإلغاء ما سواها» (من طبعة كاترمير، ج3، ص241). (1) «إن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل»، إن هذه القضية تبدو غريبة في الوهلة الأولى؛ نظرا للمعاني التي ألفناها الآن، ولكننا إذا تأملنا ما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد تأييدا لقوله هذا، نجد أنه ينتقد حالة خاصة - كانت متعاهدة في عصره - ونضطر إلى التسليم بأنه كان مصيبا في نقده هذا؛ وذلك لأن العرف كان يحتم على الطلاب درس وحفظ جميع تلك المؤلفات واحدا بعد آخر. «اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلوم والوقوف على غاياتها كثرة التآليف، واختلاف الاصطلاحات في التعاليم وتعدد طرقها، ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك، وحينئذ يسلم له منصب التحصيل، فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها، ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها؛ فيقع القصور ولا بد دون رتبة التحصيل» (ص531).

ويذكر ابن خلدون مثالا على ذلك ما كان متعارفا في شأن الفقه في المذهب المالكي، ويشير إلى «الكتب المدونة مثلا، وما كتب عليها من الشروحات الفقهية مثل؛ كتاب ابن يونس، واللخمي، وابن بشير، والتنبيهات، والمقدمات، والبيان، والتحصيل على التنبيه، وكذلك كتاب ابن الحاجب، وما كتب عليه». ويعلمنا أن الطالب كان يحتاج إلى دراسة هذه المؤلفات كلها، كما كان يحتاج إلى تمييز «الطريقة القيروانية من القرطبية، والبغدادية والمصرية، وطرق المتأخرين عنهم، والإحاطة بذلك كله»، مع أن مواضيع هذه المؤلفات «كلها متكررة، والمعنى واحد». والمتعلم يطالب باستحضار جميعها وتمييز ما بينها، والعمر ينقضي في واحد منها. ويقول ابن خلدون لذلك: «لو اقتصر المعلمون بالمتعلمين على المسائل المذهبية فقط؛ لكان الأمر دون ذلك بكثير، وكان التعليم سهلا ومأخذه قريبا» (ص531).

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٠١