تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2 (1)

إن تعليم الولدان في البلاد الإسلامية كان يستهدف قبل كل شيء تمكين المتعلمين من قراءة القرآن الكريم، مع حفظه قسما أو كاملا؛ ولذلك اعتبر القرآن «أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات» (ص537) في جميع الأمصار الإسلامية، على اختلاف أقطارها ومذاهبها.

والسبب في ذلك هو أن أهل الملة متفقون في القول بأن القرآن يجب أن يسبق كل شيء إلى قلوب المتعلمين؛ ليرسخ في نفوسهم الإيمان وعقائده، كما أنهم متفقون في القول بأن ذلك مما يجب أن يتم في الصغر. «اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين، أخذته أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم؛ لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده، من آيات القرآن ومتون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه مما يحصل بعد من الملكات؛ وسبب ذلك أن التعليم في الصغر أشد رسوخا، وهو أصل لما بعده؛ لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات، وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه» (ص538).

ومع ذلك فقد رأوا في بعض البلاد أن يضيفوا إلى تعليم القرآن؛ (أ) شيئا من الحديث والفقه، (ب) ثم الخط والكتابة، (ج) ثم أصول الشعر واللغة والأدب، (د) وقد أضافوا إلى كل ذلك في بعض البلاد الحساب أيضا.

ولذلك اختلفت مذاهب الأمصار الإسلامية في طرق تعليم الولدان. (2)

يميز ابن خلدون في هذا المضمار أربعة مذاهب أساسية، اختص بكل منها أحد الأقطار الإسلامية؛ الأندلس، المغرب «إفريقية»، والمشرق. (أ)

أهل المغرب «مذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله، واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه. فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة، وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم، إلى أن يجاوزوا حد البلوغ إلى سن الشبيبة. وكذا في الكبر، إذا رجع إلى مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره، فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم» (ص538). (ب)

وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب حيث هو، وهذا هو الذي يراعونه في التعليم، إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك وأسه، ومنبع الدين والعلوم، جعلوه أصلا في التعليم، فلا يقتصرون لذلك عليه فقط، بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل، وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتاب، ولا تختص عنايتهم [في التعليم بالقرآن دون هذه، بل عنايتهم]

4

فيه بالخط أكثر من جميعها، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة، وقد شدا بعض الشيء في العربية والشعر والبصر بهما، وبرز في الخط والكتابة، وتعلق بأذيال العلم على الجملة» (ص538). (ج) «وأما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب، ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها، إلا أن عنايتهم بالقرآن و«استظهار» الولدان إياه ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه، وعنايتهم بالخط تبع ذلك.» «وبالجملة فطريقهم في تعليم القرآن أقرب إلى طريقة أهل الأندلس؛ [لأن سند طريقتهم في ذلك متصل بمشيخة الأندلس الذين أجازوا عند تغلب النصارى على شرق الأندلس و]

5

استقروا بتونس، وعنهم أخذ ولدانهم بعد ذلك» (ص538). (د) «وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ما يبلغنا، ولا أدري بم عنايتهم منها، والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن الشبيبة، ولا يخلطون بتعليم الخط، بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراده، كما نتعلم سائر الصنائع، ولا يتداولونها في مكاتب الصبيان، وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر على الإجادة، ومن أراد تعلم الخط، فعلى قدر ما يسمح له بعد ذلك من الهمة في طلبه، ويبتغيه من أهل معرفته» (ص529). (3)

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٩٩