إن أهم هذه الفصول - من وجهة كثرة الملاحظات التربوية الواردة فيها - هو فصل «تعليم العلوم» (ص533)، ثم فصل «تعليم الولدان» (ص537).
يقرر ابن خلدون في فصل تعليم العلوم بعض القواعد العامة التي يجب اتباعها في التعليم بوجه عام، ويعرض في فصل تعليم الولدان الطرائق المتبعة في تعليم الصغار في مختلف البلدان بوجه خاص، ويقارن بين هذه الطرق ويبين محسناتها ومحاذيرها.
هذا وإننا نجد من جهة أخرى أنه يتكلم في فصل تعليم العلوم عن أصول التعليم، من غير أن يلتفت إلى مواد التعليم، في حين أنه يبحث في فصل تعليم الولدان عن مناهج الدراسة ومواد التدريس، من غير أن يتطرق إلى كيفية تعليم وتدريس تلك المواد.
وفي الأخير نجد أنه يستعمل في فصل «تعليم الولدان» تعبيري «التعليم الأول» (ص538)، و«التعليم الثاني» (ص539)، ويقصد بالتعليم الأول ما يكون في سن الصبا قبل سن البلوغ، وبالتعليم الثاني ما يتم بعد ذلك، أي بعد تعليم الصبا (ص539).
ولذلك نستطيع أن نعتبر الفصلين المذكورين بمثابة العمود الفقري من مباحث ابن خلدون في التربية والتعليم. (3)
إذا استعرضنا ما ورد في هذين الفصلين وفي الفصول الأخرى من مقدمة ابن خلدون، من الآراء والمعلومات المتعلقة بالتربية والتعليم؛ استطعنا أن نجمعها في الأنواع والصنوف الثلاثة التالية: (أ)
المعلومات النفسية التي تقوم عليها وتستند إليها نظريات التربية والتعليم. (ب)
المعلومات التاريخية التي تبين الطرق المتبعة في التربية والتعليم في البلاد المختلفة. (ج)
الوصايا العملية التي ترشد المعلمين والمربين إلى القواعد التي يجب اتباعها في التربية والتعليم، والمبادئ النظرية التي تستند إليها تلك الوصايا العملية.
وبما أننا اتخذنا المباحث النفسية موضوعا لدراسة خاصة (راجعوا البحث السابق لهذا)؛ فإننا سنحصر نطاق بحثنا هنا في الصفنين الثاني والثالث من المواضيع التربوية التي ذكرناها آنفا.
ومع هذا نود أن نشير إلى أن الدراسة الآنفة الذكر - عن النفس الإنسانية - يجب أن تعتبر ممهدة لهذه، فالتفاصيل الواردة في تلك الدراسة يجب أن توضع نصب الأعين عند مطالعة هذه، ويجب أن يلاحظ بوجه خاص أن المباحث التي تشرح «نظرية الملكات» (ص87)، والتي تبين رأي ابن خلدون في وجوب تمييز العلم النظري البحت من العلم المقرون بالنزوع، وفي وجوب التفريق بين معرفة صناعة من الصنائع علما، وبين إحكامها عملا (ص99)، مما يجب أن يعتبر جزءا من هذه الدراسة بقدر ما هو جزء من تلك. ونحن نعتقد بأننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن ما يقرره ابن خلدون في هذين البحثين إنما هو بمثابة «سكلجة العلم والتعليم» من أبحاث «التربية والتعليم». (1) نظرات عامة
1 (1)
لا يحاول ابن خلدون تعريف التربية ولا التعليم، بل يتكلم عن ذلك كأنه يتكلم عن أمور معلومة لا تحتاج إلى تعريف.
إنه كثيرا ما يتكلم عن التعليم وحده، يتكلم عن تعليم الصنائع، أو تعليم العلوم، أو تعليم اللغة، من غير أن يذكر التربية، ومع هذا فإنه يتطرق في بعض الأحيان إلى مسائل التربية أيضا، وإن لم يسمها باسم خاص.
فإنه يقول مثلا في فصل «الرحلة في طلب العلم» ما يأتي: «إن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل تارة علما وتعليما وإلقاء، وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة. إلا أن حصول الملكات من المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا» (ص541).
يلاحظ أن ابن خلدون - في هذه الفقرات - يقرن المعارف والمذاهب بالأخلاق والفضائل، ويقرر أن البشر يأخذون ذلك تارة علما وتعلما وإلقاء - يعني عن طرق الفكر - وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة - يعني عن طرق الفعل - وأنه ينظر بهذه الصورة إلى التربية والتعليم نظرة شاملة جدا، نظرة تشمل العلوم والأخلاق، وتتناول طرق اكتسابها من التعليم إلى التلقين والمباشرة والممارسة. (2)