تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

لا يكتفي ابن خلدون بملاحظة الحوادث النفسية المتعلقة بالأفراد وحدها، بل يتطرق إلى «النفسيات الاجتماعية والمعشرية» أيضا في بعض الأحيان، ويسعى لتعليل الأمور الاجتماعية بالنزعات النفسية في عدة فصول.

فإنه عندما يقرر: «إن الظلم مؤذن بخراب العمران» (ص286)، وحينما يقول: «إن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده» (ص147)، يدعم رأيه في هذا الصدد ببعض الملاحظات المتعلقة بالنفس الإنسانية.

وكذلك في كثير من الفصول؛ فإنه عندما يقرر «أن البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر» (ص123)، وأقرب إلى الشجاعة منهم (125)، وأن معاناة أهل الحضارة للأحكام مفسدة للبأس فيهم، وذاهبة بالمنفعة منهم (ص125)، وأن الملك والدولة العامة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية (ص154)، وحينما يقول إن الدولة إذا تمهدت واستقرت فقد تستغني عن العصبية (ص154)، وعندما يشرح تأثير الدين في تكوين الدولة العظيمة (ص157)، وحينما يقول «إن من طبيعة الملك الترف والدعة والسكون» (ص167)؛ يستند إلى ملاحظات نفسية خاصة.

وكذلك حينما يبين تأثير التجارة (ص386)، والصناعة (ص280)، والحضارة (ص383) في الذكاء والأخلاق، يشرح ويعلل الآراء التي يبديها في هذا الصدد بمباحث نفسية، كما أنه يدون كثيرا من الملاحظات النفسية الاجتماعية في أبحاث الحروب والعصبية، والتعلم والتعليم أيضا.

| التربية والتعليم

في مقدمة ابن خلدون آراء وملاحظات كثيرة عن التربية والتعليم.

إن قسما من هذه الآراء مدون في فصول خاصة في الباب السادس - باب العلم والتعليم - وهذه الفصول الخاصة هي التي تستلفت عادة أنظار الذين يدرسون المقدمة من وجهة التربية والتعليم. فإن المؤلفات الباحثة في تاريخ التربية بوجه عام، وتاريخ التربية عند العرب بوجه خاص، إنما تشير إلى آراء ابن خلدون في التربية والتعليم، حسب ما جاء في الفصول المذكورة وحدها.

ولكنا نلاحظ أن آراء ابن خلدون في التربية والتعليم لا تنحصر فيما جاء في الفصول المذكورة، حتى إنها لا تتمثل تمثيلا كافيا بمباحث هذه الفصول؛ لأن ابن خلدون قد دون كثيرا من الآراء والملاحظات التربوية في ثنايا الفصول المختلفة بصورة عرضية. فإذا أردنا أن نحيط علما بكل ما كتبه في التربية والتعليم، يجب علينا أن نقوم بأبحاث واسعة النطاق في سائر فصول المقدمة. (1)

إن الفصول التي تحوم مواضيعها حول التربية والتعليم بصورة مباشرة تبلغ خمسة عشر، وهي:

فصل في أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري (ص426)، في وجه الصواب في تعليم العلوم وطرق إفادته (ص533)، في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في مذاهبه (ص537)، في أن الشدة بالمتعلمين مضرة بهم (ص540)، في أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل (ص531)، في أن كثرة الاختصارات المؤلفة بالعلوم مخلة بالتعليم (ص532)، في أن العلوم الآلية لا توسع فيها الأنظار، ولا تفرع المسائل (ص536)، في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع (ص430)، في أن الرحلة في طلب العلم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم (ص541)، في تعليم اللسان المضري (ص559)، في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية، ومستغنية عنها في التعليم (ص560)، في صناعة الشعر ووجه تعلمه (ص569)، في أن حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ، وجودتها بجودة المحفوظ (ص578)، في أن الصنائع لا بد لها من التعليم (ص399)، فيمن حصلت له ملكة في صناعة، فقل أن يجيد بعدها في ملكة أخرى (ص455).

وأما الفصول التي تحوي في ثناياها ملاحظات هامة في التربية والتعليم، فهي أيضا كثيرة، وأهمها هو؛ فصل في أن الصنائع تكسب صاحبها عقلا، وخصوصا الكتابة والحساب (ص447)، في أن الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية (ص417)، في أن اللغة ملكة صناعية (ص554)، في أن الصنائع إنما تستجاد وتكثر إذا كثر طالبها (ص403)، في تفسير الذوق في مصطلح أهل البيان (ص562)، في أن أهل الأمصار على الإطلاق قاصرون في تحصيل هذه الملكة (ص564)، في أنه لا تتفق الإجادة في فني المنظوم والمنثور إلا للأقل (ص568)، في صناعة الغناء (ص423)، في العلوم العددية (ص482)، في العلوم الهندسية (ص485)، في إبطال الفلسفة (ص514). (2)

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٨٢