تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيجب علينا أن نميز بين الأوصاف التي تنتقل من جيل إلى جيل عن طريق الوراثة والدم، من التي تنتقل عن طريق المعاشرة والاقتباس، يجوز لنا أن نسمي هذا النوع من الانتقال أيضا باسم «الوراثة»، غير أنه يتحتم علينا في هذه الحالة أن نفرق بين هذا النوع من الوراثة، وبين النوع الأول منها، كما يترتب علينا أن نسمي الوراثة التي تتأتى من الدم والولادة باسم «الوراثة الفسلجية»، والتي تتأتى من الحياة الاجتماعية باسم «الوراثة الاجتماعية».

ولا نرانا في حاجة إلى التدليل على أن الأوصاف التي تنتقل من جيل إلى جيل بواسطة الدم وبصورة فسلجية، أقل بكثير من التي تنتقل عن طريق الحياة الاجتماعية. ويجب علينا أن نعلم علم اليقين أن شروط الوراثة الفسلجية أشد وأعضل بكثير من شروط الوراثة الاجتماعية، فإن المكتسبات الفردية لا تنتقل انتقالا فسلجيا فتصبح وراثية ما لم تتهيأ لها ظروف خاصة، وتتوفر فيها شروط معقدة، في حين أن انتقال المكتسبات الفردية عن طريق الأفاعيل والمؤثرات الاجتماعية يتم بمنتهى السهولة.

ولهذا السبب نجد أن آثار النوع الأول من الوراثة لا تتجلى إلا في نطاق ضيق وساحة محدودة، في حين أن أفاعيل النوع الثاني من الوراثة تتجلى على مقياس واسع جدا في ساحة تكاد تكون غير محدودة.

هذا ونستطيع أن نقول إن السبب الأساسي في تقدم النوع البشري بسرعة خارقة - بالنسبة إلى سرعة تحول الحيوانات - ليس إلا ما ذكرناه آنفا: سهولة انتقال المكتسبات الفردية من جيل إلى جيل، بفضل الحياة الاجتماعية البشرية وأفاعيلها، بجانب صعوبة انتقال تلك المكتسبات عن طريق الوراثة الفسلجية وحدها.

إن عدم التمييز بين هذين النوعين من الانتقال - وبتعبير آخر: بين هذين النوعين من الوراثة - ولد أخطاء كبيرة في تقدير منشأ الطبائع، وحمل الناس - كما حمل عددا غير قليل من العلماء - على توهم «عمل الوراثة» في الكثير من الأمور التي لا تمت إليها بأدنى صلة.

إن الأبحاث التي قام بها علماء الاجتماع لم تترك مجالا للشك في هذه القضية بوجه من الوجوه. (5)

وأما قضية تأثير العوامل الطبيعية في الطبائع فهي أيضا تحتاج إلى إنعام النظر؛ إن على كل باحث أن يسلم مبدئيا بتأثير الطبيعة في الإنسان، لكن عليه أيضا أن يلاحظ في الوقت نفسه أن علاقة الإنسان بالطبيعة لم تكن علاقة «المنفعل المتأثر» فحسب، بل هي علاقة «الفاعل المؤثر» أيضا، فالإنسان ينفعل ويتأثر من الطبيعة من جهة، ويفعل ويؤثر فيها من جهة أخرى. إنه يحاول التخلص من سيطرة الطبيعة بصور شتى، وإذا لم يتمكن من التخلص منها بصورة نهائية فهو يتوصل - على كل حال - إلى تخفيف تأثيراتها فيه إلى حد كبير، كما أنه يحاول أن يسيطر عليها - إلى درجة ما - ويسعى إلى استخدام بعض قواها في صور شتى.

إن آثار ونتائج الحياة الاجتماعية التي يحياها الإنسان منذ أجيال وأجيال، قد تلاحقت وتراكمت وتبلورت على شكل بعض الأمور المعنوية من جهة، وعلى شكل بعض الأشياء المادية من جهة أخرى. إن هذه الأمور المعنوية - كالتقاليد، والمعتقدات، والعلوم، والأذواق، والصناعات، والنظم الاجتماعية، على اختلاف أنواعها - وهذه الأشياء المادية - كالآلات، والماكينات، والبيوت، والمدن، والطرق، والمرافئ، والحقول، والكتب، والتماثيل، إلى آخر ما هنالك من معالم الحضارة ووسائلها - كلها تتضافر لتكوين «بيئة اجتماعية» خاصة، تعمل عمل «العازل» نوعا ما بين الإنسان وبين الطبيعة؛ ولهذا السبب نجد أن عناصر البيئة الطبيعية لا تؤثر في أمور الإنسان إلا من خلال هذه البيئة الاجتماعية.

فنستطيع أن نقول لذلك إن تأثير الطبيعة في الإنسان مما يتبع الأحوال الاجتماعية، ويقول بتحولها.

ولهذا السبب يترتب علينا أن نضع الأحوال الاجتماعية نصب أعيننا، حتى عندما نحاول استكناه تأثيرات الطبيعة المحيطة بنا. (6)

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٢٩