تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن تأثير الحرارة والبرودة في بعض الجمادات والنباتات والحيوانات من الأمور التي تظهر للعيان، من غير أن تحتاج إلى بحث عميق وتفكير طويل؛ فكان من الطبيعي أن يقدم المفكرون على تعميم هذا التأثير على حياة الإنسان ، وأن يحاولوا تفسير اختلاف طبائع الأمم بتأثير الإقليم بوجه عام، كما كان من الطبيعي أن يتوسع طائفة منهم في هذا المضمار، وأن يبحثوا عن تأثير سائر عناصر الطبيعة - من الأنهر والجبال والبحار والنباتات والحيوانات والمعادن - في حياة الأمم وطبائعها. (3)

إلا أن التاريخ يشهد على أن الأمة الواحدة كثيرا ما تنتقل من حال إلى حال خلال الأدوار والأطوار التي تتوالى عليها، فقد تكتسب بعض السجايا الجديدة، حتى حينما لا يتغير شيء من بيئتها الطبيعية، وهذا يدل دلالة قاطعة على أن هناك عوامل أخرى - غير عاملي العرق والطبيعة اللذين ذكرناهما - تؤثر بدورها في طبائع الأمم وسجاياها.

هذه العوامل التي استلفتت أنظار المفكرين - بعد العاملين السالفين الذكر - هي الأحوال الاجتماعية، والوقائع التاريخية. (4)

يظهر من هذه الملاحظات السريعة أن العوامل التي تؤثر في طبائع الأمم وسجاياها، يمكن أن ترد إلى ثلاثة أنواع أساسية؛ العوامل العرقية، العوامل الطبيعية، العوامل الاجتماعية.

فما هو أهم هذه العوامل الأساسية؟

لقد اختلف الباحثون والمفكرون في هذا الصدد اختلافا كبيرا، فقد زعم بعضهم أن العوامل العرقية هي التي تلعب أهم الأدوار وتؤثر أشد التأثيرات، كما قال بعضهم إن البيئة الطبيعية هي التي تسيطر على العوامل الأخرى بأجمعها، وادعى بعضهم أن العوامل الاجتماعية تكون أشد خطورة وأقوى تأثيرا من جميعها.

نحن لا نرى مجالا لتفصيل هذه المذاهب ومناقشتها في هذا المقام، ومع هذا نرى من الضروري أن نقول إن الأبحاث العلمية التي تمت منذ قرن وجهت الأذهان - على الأخص - نحو المذهب الأخير، وأيدته إلى حد كبير؛ فإن نزعة الاهتمام بالأحوال والعوامل الاجتماعية، والتوسع والتعمق في درسها هي التي أكسبتنا أثبت النتائج وأثمن الثمرات في هذا المضمار.

لقد ظهر من الأبحاث العلمية بكل جلاء أن الصفات الوراثية العرقية في الأقوام، أقل مما يظهر في الوهلة الأولى، وهي أضيق نطاقا مما كان يظن قبلا.

إن الأذهان تميل عادة إلى الظن، بل إلى الجزم بأن جميع الصفات التي تظهر مشتركة بين الآباء والأولاد تكون وراثية، كما أن جميع الخصال المشتركة بين الأفراد تكون عرقية .

غير أن ذلك وإن كان صحيحا بالنسبة إلى الحيوانات التي تعيش عيشة انفرادية، فإنه غير صحيح البتة بالنسبة إلى الإنسان الذي يحيا حياة اجتماعية؛ لأن حياة الانفراد في الحيوانات لا تفسح مجالا لانتقال الأوصاف من الآباء إلى الأبناء عن طريق غير طريق الوراثة، وبواسطة غير واسطة الدم، فإذا شاهدنا أوصافا مشتركة بين أفراد جنس من أجناس الحيوانات؛ حق لنا أن نعتبر تلك الأوصاف وراثية، وساغ لنا أن ننعتها بنعت «العرقية».

ولكن أحوال الإنسان تختلف عن كل ذلك اختلافا جوهريا؛ لأن حياة الاجتماع عند الإنسان تفسح مجالا واسعا جدا لانتقال الأوصاف من الآباء إلى الأبناء من غير وساطة الدم أيضا؛ فإن الأولاد ينشئون نشأة اجتماعية منذ ولادتهم، فيكتسبون من آبائهم كثيرا من الخصال والصفات عن طريق المعاشرة، والمحاكاة، والتعلم، والاقتباس. ولهذا السبب نجد أن الأوصاف تنتقل عند الإنسان من الآباء إلى الأبناء، من غير وساطة الوراثة الفسلجية أيضا.

ولذلك نخطئ خطأ فظيعا إذا قسنا الإنسان بالحيوان في هذا المضمار، نخطئ خطأ عظيما إذا زعمنا أن جميع الأوصاف المشتركة بين الآباء والأبناء تأتيهم عن طريق الوراثة، وراثة فسلجية، كما نخطئ خطأ فظيعا إذا ذهبنا إلى أن جميع الأوصاف المشتركة بين أفراد الأمة تكون عرقية.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٢٨