تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما يلاحظ أن ابن خلدون قد أوضح بعض هذه القضايا توضيحا تاما، وشرحها شرحا وافيا، غير أنه التزم الإجمال في بعضها إجمالا يحوجها إلى الشرح والتفصيل تارة، ويعرضها للغموض والالتباس طورا.

إن السبب الأول:

وهو التشيعات للآراء والمذاهب واضح تماما، ومشروح شرحا جيدا، والفقرات التي تشرحه تتضمن ملاحظات نفسية دقيقة، وهي تبين كيف أن محاكمات المرء تتأثر من «الآراء» التي تكون قد سبقت إلى ذهنه، وكيف أن الآراء المنتشرة في حلقات المجتمع - على شكل نحلة أو مذهب - توجه أذهان الأفراد إلى بعض الاتجاهات، وتؤثر بذلك على ملاحظاتهم ومحاكماتهم تأثيرا شديدا، كما أن هذه الفقرات تشير - ضمنا - إلى وجوب الحياد في تدوين التاريخ وانتقاده.

وأما السبب الثاني:

فبعكس ذلك، لم يكن مشروحا شرحا وافيا، ومع ذلك فإن قضية «التعديل والتجريح» المذكورة في هذه الفقرة تدل على أن المقصود منها هو الخطأ الذي قد يقع فيه المرء من جراء ثقته بالناقل والراوي؛ لأن الراوي قد يكون كاذبا ودساسا فيما يرويه، فإذا وثق المرء به يكون قد تلقى الكذب منه، ونقله إلى غيره، من حيث لا يقصد ولا يدري. ولكي يتجنب المؤرخ مثل هذه الأخطاء يجب ألا يقبل أية رواية كانت قبل أن يتأكد من عدالة رواتها، وأمانتهم في القول، وسلامتهم من الكذب، وذلك عن طريق البحث والنقد التي سماها علماء التفسير والحديث باسم «التعديل والتجريح».

والسبب الثالث:

أيضا ينطوي على ملاحظة نفسية صائبة مثل السبب الأول، ومع هذا يحتاج إلى بعض التفصيل والتوضيح؛ قد يكون الناقل صادقا في نقله، ومع ذلك مخطئا في فهمه؛ إذ من الممكن أن يكون قد نقل ما عاينه وما سمعه بكل أمانة ومن غير تحريف، ولكنه قد لا يفهم ما سمعه حق الفهم، وقد لا يلاحظ ما شاهده تمام الملاحظة، فقد يتوهم بعض الأمور، وقد يهيم في وادي التخمينات، وفي الأخير قد يخلط بين مشهوداته ومسموعاته، وبين ظنونه وتخميناته، فإذا نقل وروى يكون قد نقل وروى ما يخالف الواقع، مع أنه لم يتقصد الخروج عن جادة الصدق والأمانة في النقل على ما أداه إليه فهمه.

وأما السبب الرابع:

فهو غامض جدا، ولا سيما والفرق بينه وبين السبب الثاني لم يكن واضحا أبدا؛ فإن ابن خلدون ردهما كليهما إلى أمر الثقة بالناقلين، ربما كان القصد من تفريقهما، وذكر كل واحد منهما على حدة؛ هو الإشارة إلى الرواية الاعتيادية من جهة، والرواية المتواترة من جهة أخرى. ومما يقوي هذا الاحتمال أن ابن خلدون يبحث في محل آخر في «التناقل » - كما سنذكره فيما بعد - فلا يبعد أن يكون قد أراد بذلك التنبيه إلى عدم جواز الثقة بالناقلين من جراء كثرتهم فقط، وعدم جواز قبول الخبر من جراء كونه متواترا فحسب.

وأما السبب الخامس:

فيحوم حول «دور التصنيع والتلبيس» في الوقائع والأخبار؛ إن بعض الدساسين يتوسلون في بعض الأحوال بوسائل متنوعة للتلبيس على الناس - بقصد الوصول إلى بعض الأغراض، والحصول على بعض المنافع - ويصطنعون بعض الوقائع والأمور، والأشخاص الذين يشاهدون تلك الوقائع المصطنعة، ويطلعون على تلك الأمور المدسوسة، قد ينخدعون بها، فلا ينتبهون إلى آثار الدس والتلبيس فيها، فإذا نقلوها كما شاهدوها يكونون قد نقلوا ما هو «على غير الحق في نفسه»، وذلك من غير أن يقصدوا الكذب فيما ينقلونه.

وأما السبب السادس:

فيشير إلى الأخبار الكاذبة التي يذيعها بعض المتملقين بقصد التقرب إلى أصحاب التجلة والمراتب؛ إن هؤلاء المتملقين يحاولون التقرب إلى أصحاب الجاه والنفوذ بمدحهم والثناء عليهم، ويسعون إلى زيادة هذا التقرب بإشاعة ذكرهم بين الناس، فيشيعون عنهم من الأقوال والأفعال ما يخالف الواقع مخالفة كبيرة.

وأما السبب السابع والأخير:

فهو صريح ومفصل تفصيلا وافيا؛ إن ما يقرره ابن خلدون في هذه الفقرة يشير إلى طريقة تمحيص الأخبار بقدر ما يبين سبب تباعدها عن الواقع والصواب، وهو من أهم الملاحظات التي حملته على التفكير في طبائع العمران، وعلى كتابة «الكتاب الأول» من التاريخ، ذلك الكتاب الذي عرف فيما بعد باسم «مقدمة ابن خلدون».

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١١٢