تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن الذين يستحقون هذا الاسم - على الرغم مما في مؤلفاتهم من المطعن والمغمز - قليلون جدا، إنهم «لا يكادون يتجاوزون عدد الأنامل وحركات العوامل» (ص4)، وأما البقية فهم من «الهمل الذين ليس يعتبر لهم مقال» (ص5).

ينتقد ابن خلدون هؤلاء المؤرخين بشدة متناهية، وينعتهم بأقسى النعوت مثل: «بليد الطبع والعقل» (ص5). ويرى أن فن التاريخ صار على أيدي هؤلاء «واهيا ومختلطا»، وأصبح «انتحاله مجهلة» (ص28).

ولهذا السبب يرى ابن خلدون لزوما لسلوك مسلك جديد في كتابة التاريخ، ويشرح - بفخر وزهو - الخطة التي ابتكرها هو لهذا الغرض.

2

فأول الواجبات التي تترتب على المؤرخ - إذن - هو تمحيص الأخبار التي يقرؤها في الكتب، أو يسمعها من الرواة.

ذلك لأن «الغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل» (ص4)، ولأن الأخبار والحكايات «مظنة الكذب ومطية الهذر» (ص10)، ولأن «الكذب متطرق للخبر بطبيعته» (ص35).

فيجب على المؤرخ أن يتجنب الغلط والوهم، وأن يميز الكذب من الصدق في الأخبار.

ولكن ما السبيل الذي يجب أن يسلكه للوصول إلى هذا الهدف؟

من البديهي أن تقرير ذلك يتطلب - قبل كل شيء - تعيين أنواع الأغلاط والأوهام والأكاذيب التي تتطرق عادة إلى الأخبار، ثم استجلاء الأسباب الداعية إلى كل نوع منها.

ابن خلدون ينعم النظر في كل ذلك في عدة مواضع من المقدمة، ويتوسع فيها بوجه خاص في مدخل الكتاب الأول، حيث يقول - بعد تعيين موضوع التاريخ - ما يلي: «ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته، وله أسباب تقتضيه»: (1) «فمنها التشيعات للآراء والمذاهب؛ فإن النفس إذا كانت في حالة الاعتدال في قبول الخبر؛ أعطته حقه من التمحيص والنظر، حتى تتبين صدقه من كذبه. وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة، قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص؛ فتقع في قبول الكذب ونقله.» (2) «ومن الأسباب الداعية إلى الكذب في الأخبار أيضا؛ الثقة بالناقلين، وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح.» (3) «ومنها الذهول عن المقاصد؛ فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه؛ فيقع في الكذب.» (4) «ومنها توهم الصدق وهو كثير، وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين.» (5) «ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع؛ لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع، فينقلها المخبر كما رآها، وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه.» (6) «ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح، وتحسين الأحوال، وإشاعة الذكر بذلك، فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقته. فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل، ولا متنافسين في أهلها.» (7) «ومن الأسباب المقتضية له أيضا - وهي سابقة على كل ما تقدم - الجهل بطبائع الأحوال في العمران؛ فإن كل حادث من الحوادث، ذاتا كان أو فعلا، لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته، وفيما يعرض له من أحواله؛ فإذا كان السامع عارفا بطبيعة الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها، أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض» (ص35-36). (يذكر ابن خلدون هذه الأسباب على التوالي من غير أن يرقمها، ونحن اضطررنا إلى ترقيمها؛ تسهيلا لدرسها.)

يلاحظ أولا أن بعض الأمور التي يذكرها ابن خلدون في هذه الفقرات من نوع الغلط والوهم «اللاقصدي»، وبعضها من نوع التلبيس والكذب «القصدي»، بالمعنى الذي يفهم عادة من كلمة الكذب، وبعضها من نوع «عدم التمييز» من جراء عدم التفكير، أو الجهل، أو الانخداع. والمؤلف قد ميز هذه الأنواع بعضها من بعض، غير أنه ذكرها تحت اسم عام، وهو «الكذب»، أعني أنه استعمل هذا الاسم للدلالة على كل ما هو مخالف للواقع، سواء أنتجت هذه المخالفة من كذب المخبر وتلبيسه، أم من توهمه وغلطه، أم من جهله وانخداعه.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١١١