كان «مونتسكيو» قد عرف «القوانين» - في أواسط القرن الثامن عشر - بقوله: «الروابط الضرورية التي تتأتى من طبيعة الأشياء»، وتعريفه هذا كان قد نال شهرة كبيرة. نحن نعتقد أن كل من ينعم النظر في الأمثلة التي ذكرناها آنفا؛ يضطر إلى التسليم بأن ابن خلدون كان قد فكر في ذلك تفكيرا واضحا قبل كتابة التعريف المذكور بقرون عديدة، كما نرى أن بعض تلك العبارات مما يجوز ذكره بين أحسن الأمثلة وأوضح الأدلة، على حتمية الحوادث الاجتماعية.
ثالثا:
لم يمر ابن خلدون في المقدمة على المبادئ والمواضيع المذكورة مرا سريعا، كما أنه لم يكتبها كتابة عرضية، بل إنه عمل بتلك المبادئ عملا متواصلا، ودرس تلك المواضيع دراسة تفصيلية.
وإذا صرفنا النظر عن بعض الفصول والأبحاث التي تأتي في المقدمة بمثابة معلومات تمهيدية أو استطرادية، يمكننا أن نقول:
إن الباب الأول بمثابة فصول في الاجتماعيات العامة
Sociologie Génerale .
وإن البابين الثاني والثالث يحتويان على الكثير من أبحاث الاجتماعيات السياسية
Socioligie Politique .
والباب الرابع بمثابة أبحاث في اجتماعيات الأمصار
Sociologie Urbaine .
وأما الباب الخامس فهو في الاجتماعيات الاقتصادية
Sociologie économique .
والباب السادس يحتوي على أبحاث كثيرة في «الاجتماعيات الأدبية»
Sociologie morale . (4)
بناء على كل ما ذكرناه آنفا نعتقد أن ابن خلدون يستحق لقب «مؤسس علم الاجتماع» كل الاستحقاق.
وإذا لاحظنا أنه فكر في كل ذلك، وكتب كل ذلك قبل أوغوست كونت بمدة تزيد على أربعة قرون ونصف قرن، وإذا تذكرنا في الوقت نفسه بأنه كان أقدم على ذلك قبل تقدم علمي الفيزياء والكيمياء، فضلا عن تأسس علم الحياة في القرن الرابع عشر، حين كان مفكرو أوروبا لا يزالون يتيهون في فيافي التفكير الكلماني الدرساني؛ اضطررنا إلى التسليم بأن عمله كان عملا جبارا، ينم عن تفكير عبقري، يستحق كل تقدير وإعجاب.
هذا ومما تجب ملاحظته بوجه خاص، أن ابن خلدون يتلقى «علم الاجتماع» بمعناه الشامل التام؛ لأنه يعتبر الحياة السياسية والاقتصادية والصناعية والعلمية من مظاهر الحياة الاجتماعية، وينظر إلى الأبحاث المتعلقة بها كفروع لعلم الاجتماع.
إن موقف ابن خلدون في هذه القضية يرفعه مباشرة إلى مصاف علماء الاجتماع الذين نبغوا في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن الحاضر.
| المذاهب الأساسية في علم الاجتماع
1
إن اختلاف المفكرين والباحثين في أسس علم الاجتماع لم ينحصر بمسألة علاقة هذا العلم الجديد بالعلوم الاجتماعية القديمة وحدها، بل شمل مسألة علاقة علم الاجتماع بسائر العلوم أيضا.
وقد حام الاختلاف - بوجه خاص - حول مناحي بحث هذا العلم، وتناول مسألة علاقة هذه المناحي بمناحي أبحاث العلوم الأخرى.
إن اختلاف وجهات النظر في هذه القضية أدى - منذ عهد أوغوست كونت - إلى تكوين عدة مذاهب في علم الاجتماع، إننا نستطيع أن نلخص أهم الفروق التي تميز بعضها من بعض بوجهات النظر التالية: (1)
النظرة الطبيعية والآلية في علم الاجتماع
Mécanicisme :
لقد نظر بعض العلماء إلى الحوادث الاجتماعية نظرة طبيعية ميكانيكية، وحاولوا إرجاع قوانينها إلى دساتير رياضية؛ أسوة بالقوانين الطبيعية.
إن هذا التيار الفكري حمل بعض العلماء على تسمية بعض الأبحاث الاجتماعية بأسماء مقتبسة من العلوم الطبيعية، فإنهم سموا - مثلا - المباحث المتعلقة بالنظام الاجتماعي باسم «الاستاتيكا الاجتماعية»
Statique social ، كما سموا الأبحاث المتعلقة بالتحولات الاجتماعية باسم «الديناميكا الاجتماعية»
Dynamique social . (2)
النظرة الحياتية - البيولوجية - في علم الاجتماع
Biologisme :
وقد نظر بعض العلماء إلى الحادثات الاجتماعية نظرة «حياتية»، وهذه النظرة حملتهم على تسمية بعض المباحث الاجتماعية بأسماء مقتبسة من علم الحياة؛ فإنهم سموا - مثلا - الأبحاث المتعلقة ببناء المجتمعات وأشكالها المختلفة باسم «المرفجة الاجتماعية»