تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثانيا:

لقد اعتقد ابن خلدون تمام الاعتقاد بأن الأحوال الاجتماعية تتأتى من «علل وأسباب»، وفهم أن هذه العلل والأسباب تعود في الدرجة الأولى إلى «طبيعة العمران»، وبتعبير آخر إلى «طبيعة الاجتماع».

إن اعتقاد ابن خلدون في ذلك يظهر أولا من دلالة العبارات التي ذكرناها آنفا؛ فإنه يشير فيها بصراحة إلى «العلل والأسباب»، وإلى «الوجوه البرهانية»، مما يدل دلالة واضحة على أنه أدرك أن الحادثات الاجتماعية تابعة لعلل وأسباب، وأن البحث فيها يجب أن يكون بوجوه برهانية.

ولكن اعتقاد ابن خلدون في هذا الأمر يظهر بوضوح أكبر من ذلك أيضا مما كتبه في معظم أبحاثه.

فإنه يقول مثلا: «للعمران طبائع في أحواله» (ص6)، ويبحث عن «طبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني» (ص9)، ويشير إلى «معرفة طبائع العمران» (ص37).

كما أنه يكتب عدة مرات مثل هذه العبارات: «يجب أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه» (ص37). «فإن كل حادث من الحوادث، ذاتا كان أو فعلا، لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته، وفيما يعرض له من أحواله» (ص35-36).

إن المؤرخ يجب أن يكون «عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها» (ص36). «حكم الملك والسلطان إنما يجري على ما تقتضيه طبيعة العمران» (ص224).

حينما يتكلم ابن خلدون عن الوظائف الخلافية، ويميز بينها وبين الوظائف السلطانية، يقول: «نتكلم في ذلك بما تقتضيه طبيعة العمران في الوجود الإنساني» (ص236). «كلامنا في وظائف الملك والسلطان ورتبته، إنما هو بمقتضى طبيعة العمران ووجود البشر» (ص236).

وقد استعمل ابن خلدون تعبير «طبيعة الملك» في عناوين فصول عديدة: «إن من طبيعة الملك الانفراد بالمجد» (ص166)، «إن من طبيعة الملك الترف» (ص167)، و«إن من طبيعة الملك الدعة والسكون» (ص167).

كما أنه استعمل في عدة مواضع تعبير «طبيعة العمران»، و«طبيعة العصبية»، حتى إنه أشار إلى «طبائع الأكوان»، و«طبيعة الوجود».

وزيادة على كل ذلك فقد صرح ابن خلدون في عدة فصول أن الحوادث الاجتماعية لم تكن نتيجة اختيار، بل إنها نتيجة ضرورية لطبيعة الاجتماع.

فقد بدأ فصل انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة بقوله: «اعلم أن هذه الأطوار طبيعية للدول» (ص172).

كما قرر في هذا الفصل أن «طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة؛ لضرورة تبعية الرفه للملك» (ص172).

وقد قال في فصل «انقلاب الخلافة إلى الملك»: «الملك غاية طبيعية للعصبية، وليس وقوعه عنها باختيار، إنما هو بضرورة الوجود وتربيته» (ص202).

كما قال في الفصل نفسه، بعد استعراض ما حصل من الاختلاف في أمر الخلافة حتى عهد معاوية: «ثم اقتضت طبيعة الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به، ولم يكن لمعاوية أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه، فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها» (ص205).

وقال ابن خلدون في الفصل الذي يقرر: «أن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع»: «قد قدمنا العوامل المؤذنة بالهرم، وأسبابه واحدا بعد واحد، وبينا أنها تحدث للدولة بالطبع، وأنها كلها أمور طبيعية لها، وإذا كان الهرم طبيعيا في الدولة، كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية، كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني، والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها؛ لما أنه طبيعي، والأمور الطبيعية لا تتبدل» (ص293-294).

إن مقدمة ابن خلدون مملوءة بمثل هذه الكلمات والأبحاث التي تدل دلالة قطعية على تفكيره الدائم في «طبيعية الأشياء»، وضرورة الوجود»، و«ترتيب الوجود»، وعلى فهمه الواضح ل «طبيعة الحوادث الاجتماعية وضروريتها»، وبتعبير أقصر: على قوة اعتقاده بتبعية الحوادث الاجتماعية لقانون السببية، ومبدأ التعين والحتمية.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٠٠