محمد بن سحنون
سمع العلم من والده سحنون، ومن عبد العزيز بن يحيى المديني، وموسى بن معاوية الصمادحي، وعبد الله بن أبي حسان. ورحل إلى المشرق سنة 335ه، فلقي أبا مصعب الزهري، وابن كاسب وسلمة بن شبيب النيسابوري. ألف كتبا كثيرة في فنون شتى، ولما سافر إلى مصر كان بها يهودي قوي العارضة، محجاجا في المناظرة، معروفا بذلك عند أهل مصر؛ فأخذ محمد بن سحنون يناظره من صلاة الظهر إلى أن طلع الفجر، فانقطع اليهودي في الحجة، وخرج ابن سحنون وهو يمسح العرق عن وجهه، وأسلم اليهودي، وشاع ذلك بمصر فأتى فقهاء مصر إلى محمد بن سحنون، ومن جملتهم أبو رجا بن أشهب، وسأله أن ينزل عنده ففعل، ولما جلس وحلق عليه العلماء وسألوه، فكان من جملة من أتى إليه المزني صاحب الشافعي، فجلس كثيرا لينفض الناس ويخلو به، فلما خرج قيل له: كيف رأيته؟ قال والله ما رأيت أعلم منه ولا أحد ذهنا على حداثة سنه، وكان إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة.
ثم سافر محمد بن سحنون إلى المدينة، ودخل مسجد النبي عليه السلام، فوجد جماعة عظيمة محلقين على شيخ وهو متكي لكبر سنه، وهم يتنازعون في مسألة من مسائل أمهات الأولاد، فنبههم محمد بن سحنون على نكتة، فاستوى الشيخ جالسا وقررها، فزاد ابن سحنون أخرى، فقال الشيخ: من أي بلاد أنت؟ قال: من إفريقية. قال: من أي بلدة منها؟ قال: من القيروان. قال: ينبغي أن تكون أحد الرجلين؛ إما محمد بن سحنون، وإما محمد بن لبدة ابن أخي سحنون. فقال له: أنا محمد بن سحنون. فقام إليه وصافحه وخرجا من المسجد، وجعل ابن سحنون يملي على الشيخ بالطريق وهو يكتب المسألة.
من كمالاته وكرمه رضي الله عنه، عن أبي الحسن بن القابسي رضي الله عنه قال: إن رجلا كان يشتم محمد بن سحنون، وينال من عرضه ويؤذيه، فافتقر الرجل واشتد عليه الحال، فمضى إلى محمد بن سحنون لما يسمع من كرمه، فدخل عليه مترديا بأطمار فسلم، فأقبل عليه محمد بن سحنون، وقال له: ما حاجتك؟ وكان قبل ذلك يأتي إليه فيقول له «أحب أن أكلمك في أذنك» فيشتمه ويذهب، فيقول له محمد «جزاك الله خيرا» ولا يعرف أحد ما يقوله له إلى ذلك اليوم، فقال له: أصلحك الله، جئتك تائبا مما كنت أفعل. فقال له ابن سحنون: دع هذا واذكر حاجتك. فقال: والله ما أتاني إليك إلا الحاجة. فاسترجع ابن سحنون واغتم لذلك، وقال: يا أخي، نزل بك هذا وأنا في الدنيا! ثم كتب إليه رقعة وقال امض بها إلى فلان الصيرفي، فمضى إليه فأعطاه عشرين دينارا، فأخذها واشترى ما يحتاج إليه، وأتى بالحمالين إلى الدار، فقالت زوجته: ما هذا؟ فقال: هذا ما أعطاني الرجل الذي كنت أشتمه، وبعد أيام أرسل إليه محمد بن سحنون وقال له: تقدر على السفر؟ قال: نعم. فكتب إليه كتابا وقال: امض إلى قسطيلية. وسلمه إلى أناس من أهلها، وسمى له أفرادا، فلما وصل دفع الكتاب فأضافوه وأعطوه ثلاثمائة دينار وهدايا نفيسة، فظن الرجل أنها لمحمد بن سحنون، فلما وصل إلى القيروان دخل إلى محمد فأعطاه كتاب القوم، فلما قرأه استرجع وقال: حال الناس ما هكذا عهدناهم. فقال الرجل: يا سيدي، إن كان قد بقي لك عندهم حاجة فأنا أرجع إليهم ثانية. قال محمد: يا أخي إنها لك، فكأني لم أجد من أبعث إلا أنت، وإنما عجبت من تغير الزمان في هذا الوقت.
وحكى بعض الثقات قال: كنت بجامع المنستير وإذا برجل يقرأ في جوف الليل هاته الآيات:
وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور ، ويبكي ودموعه تقع على الحصير لكثرتها وهو يكرر الآية، وما زال يكررها حتى طلع الفجر، ولا أدري من يكون، فلما خرج إذا هو محمد بن سحنون.
ولي محمد بن سحنون رئاسة القضاء بالقيروان، وكانت وفاته بالساحل، وأتي به إلى القيروان، وغلقت الكتاتيب والحوانيت من أجل وفاته؛ وذلك سنة 256ه وعمره أربعة وخمسون سنة، وصلى عليه إبراهيم بن أحمد الأغلبي أمير إفريقية، ودفن بباب نافع خارج مقام أبيه سحنون بخطوات قليلة في حوطة بسيطة، ورثي بثلاثمائة قصيدة، ومنها تعرف عمارة القيروان، ونقاق سوق الأدب بها فضلا عن العلم. قال بعضهم يرثيه، وهي أبيات من قصيدة طويلة ونصها: