وعندما ولي القضاء كتب إليه عبد الرحيم بن عبد ربه الربعي الزاهد: «أما بعد، فإنك كنت تنظر للناس في مصالح أخراهم، فصرت تنظر مصالح دنياهم، فأي الحالتين أفضل؟ والسلام.» فكتب إليه سحنون: «أما بعد، فإن كتابك جاءني، وفهمت ما ذكرت، وإني أجيبك، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عليه توكلت وإليه أنيب، وأما ما ذكرت من أني كنت أنظر للناس في مصالح أخراهم فصرت أنظر في مصالح دنياهم، فاعلم أنه لا تصلح للناس أخراهم حتى تصلح لهم دنياهم، آخذا لضعيفهم من قويهم، ومن ظالمهم لمظلومهم، وأنا لم أزل مبتلى ينفذ قولي منذ أربعين سنة في الفتيا، فأنا منذ أربعين عاما قاضيا؛ لأن قول المفتي يمضي في أشعار المسلمين وأبشارهم، ومع هذا فقد ابتليت، فقدمت جبرا، فالزم نفسك بالدعاء لي والسلام.»
وسحنون أول من نظر في الحسبة؛ إذ كانت قبل للأمراء دون القضاة، وأول من فرق أهل البدع من الجامع، وأول من جعل في الجامع إماما يصلي بالناس؛ إذ كان للأمراء، وأول من جعل الودائع عند الأمناء، وكانت قبل في بيوت القضاة. من مآثره في القضاء أنه كان جالسا على باب داره؛ إذ مر به حاتم «من حواشي الأمير المقربين»، ومعه سبي من سبي تونس، فقال سحنون لأصحابه «قوموا وأتوا بهم»، فذهبوا وخلصوهم من حاتم لأنه أبى أن يسلمهم، وهرب حاتم على برذونه بعد خرق ثيابه، ودخل على الأمير وشكا إليه، وكان الأمير إذ ذاك محمد بن الأغلب، فأرسل الأمير غلامه إلى سحنون، وقال له: يقول لك الأمير اردد النسوة على حاتم؛ فإنهن إماء له. قال سحنون: فإن كن إماء فمثل حاتم لا يؤمن على الفروج، وقل للأمير أيها الغلام: جعل الله حاتما شفيعك يوم القيامة. ولما ذهب الرسول، قال سحنون: هذا الأسود - يعني حاتما - يذهب هكذا. فأمر بجلبه وسجن بعد أن طرحت عمامته.
ثم أقبل رسول الملك بوجه غير الذي أقبل به أولا، فقال لسحنون: يقول لك الأمير: إنك تعديت عليه، ارددهن له كما أمرتك وسرحه من السجن. فقال سحنون: قل له: أنت الذي تعديت، والله لا رددتهن عليه حتى يفرق بين رأسي وجسدي. فانصرف الخادم، فأقبل محمد بن سحنون على أبيه وقال: اكتب له والطف يا سيدي. فدعا سحنون بدواة وقرطاس، وكان جالسا بالأرض وابنه محمد مشرفا على مقعده، فكان سحنون يكتب، وابنه محمد ينظر ما يكتب ويقول لأبيه: دون هذا، دون هذا. حتى فرغ سحنون من كتابه، ثم طبعه وسلمه مع عونه إلى الأمير، فأخذه الأمير وضرب به وقال: والله لا أدري هذا علينا أم نحن عليه. واسود وجهه، وكان له جمال، فركب فرسه وانصرف لعسكره راجعا إلى القصر القديم، وهو الذي أنشأه بقصر الماء إبراهيم بن الأغلب سنة 185ه، يبعد عن القيروان بنحو ثلاثة أميال، ويسمى العباسية، وقد اندثر الآن، فأقام الأمير بالقصر غاضبا من أول النهار إلى وقت العصر لم يدخل عليه أحد، ثم سكن غضبه ورجع له رشده، فأذن لأصحابه ووزرائه بالدخول، وقال لهم: إني لأظن هذا الرجل - يعني به سحنون - ما يريد بنا إلا خيرا ونحن لا ندري، أرسلوا إليه يرسل محتسبيه ويكتب لهم سجلات إلى أقصى عملي يأخذون من وجدوا من الحرائر. فأرسل سحنون أصحابه يأخذون السجلات، فخرجوا وردوا من وجدوا.
امتحن سحنون في مسألة خلق القرآن، وأراد الأمير الانتقام منه، فمات الأمير قبل الانتقام ونجي سحنون. ولد سحنون سنة 160ه، وتوفي لست خلون من رجب قبل نصف النهار سنة 240ه، ودفن من يومه، ووجه إليه محمد بن الأغلب بكفن وحنوط، فاحتال ابنه محمد حتى كفن في غيره وتصدق بذلك. قال أبو بكر المالكي: لما مات سحنون رجفت القيروان لموته، وحزن له الناس. ولسحنون تآليف كثيرة في فنون متنوعة، فقدت كلها وبقيت منها المدونة المشهورة إلى الآن، ولو لم يكن له غيرها لكفاه. وقبره بداره بباب نافع، بجانبه قبر العالم الشهير أبو إسحاق السبئي المتوفى سنة 356ه، وبجانبه أيضا قبر خلف بن منصور من أتباع أبي إسحاق المذكور رضي الله عنهم، وضريح سحنون مشهور يزار.