شقران الهمداني
هو علي شقران بن علي الهمداني نسبة إلى همدان، كان أستاذ ذي النون المصري، روى عنه سحنون، وكان كفيف البصر مواخيا للبهلول بن راشد، قدم ذو النون المصري القيروان لزيارة شقران، وكان شقران لا يخرج من داره إلا يوم الجمعة، فلما خرج قال له ذو النون: قد جئت من بلد بعيد أطلب الموعظة، فقال له شقران: «كل من كد يمينك، فيما عرق فيه جبينك، ولا تأكل بدينك؛ فإن ضعف يقينك، فاسأل الله يعنك، ولا تشتك من يرحمك إلى من لا يرحمك.» توفي شقران رضي الله عنه سنة 186ه، وقد أناف على السبعين، ودفن بباب سلم بالمقبرة المسمات الآن بالجناح الأخضر، وبجوار قبره سبعون عالما؛ منهم: أبو العرب، وأبو ميسرة إمام الجامع الذي ذكرناه سابقا، وقبر مروان بن العابد، وواصل، رضي الله عنهم. وقبر شقران مشهور يزار، رضي الله عنه.
رباح بن يزيد
كان يضرب به المثل في زهده وعبادته، غزير الدمعة، كثير الإشفاق والخشية، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، توفي سنة 172ه، فازدحم الناس يوم جنازته على نعشه، فقال العالم يزيد بن حاتم: ازدحموا على عمله، ولا تزدحموا على نعشه. وصلى عليه يزيد، ودفن بباب سلم بمقبرة الجناح الأخضر، وقبره مشهور يزار، رضي الله عنه.
البهلول بن راشد
روى عن مالك بن أنس، والثوري، والليث بن سعد، وكان من علماء الدين المشهورين بالصلاح والتقوى، من قوله: «والله إني لأستحي من الله عز وجل أن تكون الملائكة أطوع له مني.» قرأ عليه سحنون وغيره. قال سعيد بن الحداد رحمه الله: ما كان بهذا البلد - يعني القيروان - أقوم بالسنة من رجلين؛ البهلول بن راشد في وقته، وسحنون في زمنه.
امتحن البهلول في آخر عمره بمحنة كانت سبب موته؛ وصورة ذلك أن العكي أمير إفريقية كان يلاطف «الطاغية» كبير البرابرة، فكتب إليه الطاغية «أن ابعث إلي بالنحاس والحديد والسلاح» فلما عزم العكي على ذلك وعظه البهلول لتزول عنه الحجة، وقال له: إن في إرسالك ما ذكر إلى ذاك العدو إثما كبيرا. وألح عليه البهلول في الموعظة، فبعث إليه العكي وضربه أسواطا دون العشرين، فبرئت كلها إلا أثر سوط واحد تنغل فكان سبب موته. وقبل جلده غلل فدخل عليه عبد الله بن فروخ العالم الشهير، وجعل يبكي بكاء كثيرا، فقال له البهلول: سبحان الله يا أبا محمد، ما يبكيك؟ فقال: أبكي لضرب ظهرك وتقييدك بدون حق. فقال البهلول: يا أبا محمد «قضاء وقدر». ثم ندم الأمير العكي على ما فعل، فأرسل إليه بكسوة وكيس، فأبى البهلول قبول ذلك، فقال الرسول: يقول لك العكي إذا كنت لم تقبل ذلك فاجعلني في حل. فقال البهلول: قل له ما حللت يدي من العقالين حتى جعلتك في حل. وقد مات من أثر ذلك السوط الذي تنغل كما قدمنا في سنة 183ه، ودفن بمقبرة الجناح الأخضر. وهكذا كان السلف الصالح، وعلماء الدين يقولون الحق ويموتون عليه، وقبر البهلول مشهور يزار متصل بقبر جبلة بن حمود، رضي الله عنهما.
جبلة بن حمود
هو أبو يوسف جبلة بن حمود بن عبد الرحمن بن مسلمة الصدفي، أسلم جده على يد عثمان بن عفان رضي الله عنهما، سمع جلبة العلم من سحنون، ومحمد بن رزين، ومحمد بن عبد الحكم وغيره، وأخذ عن سحنون المدونة والمختلطة والموطأ. قال سحنون: لو تفاخر علينا بنو إسرائيل بعبادهم فاخرناهم بجبلة بن حمود. وقال القاضي موسى القطان: من أراد أن يدخل إلى دار عمر بن الخطاب فليدخل دار جبلة بن حمود؛ لزهده وتقلله. وقال أبو بكر ابن أبي عقبة: ما أوقد جبلة نارا أربعين سنة، إنما كان له دقيق شعير، إذا كان عند إفطاره أخذ قبضة فحركها في قدح بماء فأفطر عليها. وكان يصدع بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ولما دخل عبيد الله الشيعي إفريقية، وكان هو وجماعته من الظالمين المفسدين صار جبلة رضي الله عنه يخرج إلى جهة رقادة، وهو المحل الذي يقصده هذا الشيعي الظالم يبعد عن القيروان بنحو سبعة كيلومترات، فيركب جبلة فرسه، ومعه سيفه وترسه وسهامه، فيجلس هناك من ضحوة النهار إلى غروب الشمس ويقول: أحرس عورات المسلمين من هذا الظالم وقومه. وكانت لجبلة أملاك كثيرة تصدق بها كلها حتى تجرد من ثيابه وبقي عريانا فكساه سحنون. وكان جبلة لا يهاب الملوك ولا يخشى بأسهم. توفي سنة 297ه؛ وذلك يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من صفر، وهو ابن سبع وثمانين سنة، وصلى عليه أبو سعيد محمد بن محمد بن سحنون في مصلى العيد، ودفن بالجناح الأخضر، وقبره متصل بقبر البهلول بن راشد مشهور يزار، رضي الله عنهما. (2) مشاهير رجال مقبرة باب نافع، وهي التي بها قبر سحنون