ويوجد به أيضا مكتبة عتيقة، تلف غالبها من عدم اعتنائنا بالمحافظة على آثار أسلافنا، وتلك مصيبة من أعظم المصائب التي حلت بالمسلمين. ولم يبق من آثار هاته المكتبة النفيسة إلا أوراق من كتب جليلة في علوم متنوعة، ومصاحف جميلة، منها مصحف مكتوب بالذهب على الرق الأزرق بالخط الكوفي الجميل، وليس له بداية ولا نهاية، وهو من النفائس التي يعز وجودها، ويوجد مصحف آخر مكتوب بالخط الكوفي أيضا، حبسته على الجامع حاضنة المعز بن باديس، واسمها مكتوب في آخر المصحف مع تاريخ التحبيس، وقد اعتنى جناب الكاتب العام السيد روا بهاته المكتبة، فرتبها ترتيبا جميلا يشكر عليه الشكر الجزيل، وجعل لتلك الكتب والأوراق غلافات محكمة، ونمر ودفتر رتبت به نمر غلافات الكتب والأوراق مع بيان أسمائها؛ لكيلا يعسر الأمر على المطالع، ولتحفظ بقية المكتبة من التلاشي، وفقنا الله إلى إصلاح حالنا وحفظ آثار أسلافنا بمنه وكرمه. (5) جامع الزيتونة بالقيروان
أسسه إسماعيل بن عبيد الأنصاري سنة 71ه، وهو العالم التابعي المعروف بتاجر الله، من أحد العشرة التابعين الذين بعثهم عمر بن عبد العزيز يفقهون أهل إفريقية، سكن القيروان، وانتفع به خلق كثير من أهلها وغيرهم، وكان يدرس العلم ويصلي بالمسجد المذكور، وسمي تاجر الله؛ لأنه جعل ثلث كسبه لله عز وجل.
من آثاره في الكرم أن خياطا كان له بنات وليس يقوم به عمله إلا عن جهد، فلما كان ليلة عيد الفطر دخل على بناته فوجدهن في الظلام وليس في البيت شيء يرد يده إليه، فخرج من بيته حزينا هائما أن يرى بناته يوم عيد منكسرات قلوبهن بين أترابهن من بنات الجيران، وسولت له نفسه الخروج من القيروان حتى ينقضي العيد، فمر بمسجد إسماعيل تاجر الله، وقد حضرت صلاة العشاء الآخرة، فصلى معهم، فلما انصرف الناس ولم يبق بالمسجد إلا الرجل. رآه إسماعيل فعلم أن له قصة، فمضى إلى داره وبعث إليه فسأله عن قصته فأخبره، فتوجد إسماعيل لذلك وبكى، وقال: كم عندك من البنات؟ قال: خمس. فصاح إسماعيل بأمهات أولاده وقال: ايتوني بحلي بناتكن وما صنعتن لهن في هذا العيد من الثياب والزينة والحناء والطيب. فأتين بجميع ذلك، ثم قال لهن: ايتوني بمائدة الطعام. فأتوا بها وفيها أنواع الأطعمة وأصناف الحلواء، فدفع ذلك كله للخياط، وسلم له دنانير كثيرة، ثم قال له: اكس بناتك هذه الثياب، وجملهن بهذا الحلي، وطيبهن بهذا الطيب، وكل معهن من هذه المائدة، ووسع على نفسك وعليهن من هذه الدنانير؛ فقد وهبت لك جميع ذلك لله.
ثم أمر عبيده فحملوا جميع ذلك إلى داره، فضرب الباب عليهن ففتحنه، فوجدهن في الظلام على حالهن، فأدخل العبيد جميع ذلك إلى داره وذهبوا، ففرح البنات بذلك، وكان في داره سرور كبير، ولبس بناته الثياب الجميلة والحلي النفيسة، واجتمعن حول المائدة، وكان إسماعيل يلبس جبة صوف وكساء صوف وقلنسوة صوف، ولم يزل مقيما بالقيروان إلى أن حضرته نية الجهاد، فخرج في مركب متطوعا في غزاة عبد الله بن رافع صقلية من بلاد الطليان، فغرق في البحر فمات وهو معانق للمصحف؛ وذلك سنة 107ه رضي الله عنه، وهذا الجامع خارج باب الجديد مشهور. (6) مسجد أبي ميسرة
بناه أحد التابعين على رأس المائة الأولى، ونسب إلى أبي ميسرة الفقيه أحمد بن بزار الزاهد؛ لأنه كان إمامه، وكان عالما جليلا يختم القرآن كل ليلة بمسجده، معروف بالكرم الجم؛ حتى إنه يجعل مائدة طعامه خلف باب داره ليكون قريبا من السائل، توفي سنة 337ه، ودفن بمقبرة الجناح الأخضر قرب قبر شقران، وهي المقبرة التي كانت تسمى في القديم بمقبرة باب سلم، رضي الله عنه، وهذا الجامع أمام باب تونس القديم من الداخل. (7) أبو زمعة البلوي ومقامه
البلوي نسبة لبلي؛ قبيلة من قضاعة، واسمه عبد الله بن آدم، قدم القيروان مع جيش الصحابة الذي تحت قيادة معاوية بن حديج السكوني الكندي. وكان من جملة رجال معاوية في غزوته عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وجبلة بن عمر الساعدي، وأبو زمعة البلوي؛ وذلك في خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنهم.