تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وله رسالة وعظ وعظ بها محمد بن الطاهر القائد، وأول تأليف له الرسالة الشهيرة، وسبب تأليفها أن الشيخ محرز بن خلف التونسي سأله، وهو في سن الحداثة، أن يؤلف له كتابا مختصرا في اعتقاد أهل السنة مع فقه وآداب ليتعلم ذلك أولاد المسلمين، فألف الرسالة الشهيرة؛ وذلك سنة 327ه، وسنه إذ ذاك سبع عشرة سنة، فانتشرت الرسالة في سائر بلاد المسلمين حتى بلغت العراق، واليمن، والحجاز، وبلاد السودان. وتنافس الناس في اقتنائها حتى كتبت بالذهب، وأول نسخة نسخت منها بيعت ببغداد في حلقة أبي بكر الأبهري بعشرين دينارا، ولما كان القصد بها أن تعلم لأولاد المسلمين لم يبق بلد من بلاد الإسلام إلا بلغت إليه. وكان ابن أبي زيد رضي الله عنه على غاية من الجود والكرم، كثير البذل للفقراء، والغرباء، وطلبة العلم، ينفق عليهم ويكسوهم ويزودهم. توفي يوم الإثنين عند الزوال الموافق ثلاثين من شهر شعبان سنة 386ه، وعاش ستا وسبعين سنة، وصلى عليه الشيخ أبو الحسن القابسي يوم الثلاثاء في جمع لا يحصى، ودفن بداره المعروفة الآن، وبجوار قبره قبر العالم الجليل أبو محمد عبد الله الشبيبي شارح الرسالة في سفرين، وقد توفي سنة 872ه، رضي الله عنهما.

محمد بن خيرون المعافري الأندلسي

كان من أكابر العلماء العاملين، رحل إلى العراق، وقرأ العلم على محمد بن نصر صاحب يحيى بن معين وغيره، ثم عاد إلى القيروان واشتغل بتدريس العلم بمسجده الذي أسسه، وهو المسمى الآن بمسجد ذي ثلاثة أبواب، فانتفع بعلمه خلق كثير. وكان قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شديد الوطأة على الظالمين المستبدين، فسعى به الظالم علي المرودي قاضي الشيعة إلى الأمير عبيد الله المهدي، فأمر عامله بالقيروان المسمى الحسين ابن أبي خنزير بقتله. حكى الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله قال: أخبرني من أثق به أنه كان جالسا عند ابن أبي خنزير عامل عبيد الله المهدي المذكور، إذ دخل عليه شيخ ذو هيئة جميلة، وقد علاه اصفرار مع حسن سمت وخشوع، فلما رآه ابن أبي خنزير بكى، فقال له جليسه: ما الذي يبكيك؟ قال: بعث لي السلطان عبيد الله يأمرني بدرس هذا الرجل - يعني ابن خيرون - حتى يموت، ثم أمر به فأدخل إلى مجلس، وبطح على ظهره، وطلع السودان فوق سرير، فقفزوا عليه حتى مات؛ وذلك من أجل جهاده على دين الله، وبغضه لملوك بني عبيد الظالمين المستبدين.

قال المالكي: ولما مات أخذوه وحملوه على بغل، وألقوه في حفير خارج البلد، ثم نهب ابن أبي خنزير داره وأخذ مولدة كانت معه، وجعلها مع خدمه. وكانت عاقبة القاضي الشيعي ابن علي المرودي الذي سعى بابن خيرون أن الله انتقم منه؛ وذلك أن ابن أبي خنزير عامل القيروان المذكور سعى به إلى الأمير عبيد الله فمكنه الأمير منه، فأخذه وكتفه ورماه في إصطبل الدواب فركضت الخيل وغيرها عليه حتى قتلته، وكانت جارية ابن خيرون تأتيه وهو تحت أرجل الدواب وتتولى عذابه بنفسها، فيقول لها: إنك بسببي صرت عند عامل الأمير. فتقول له: يا شيخ السوء، قتلت سيدي ابن خيرون شيخ القيروان، وأزلتني من عنده، ورددتني عند خنزير ابن خنزير، فقد خاب من حمل ظلما. ثم تأمر خدمها فيلطمونه إلى أن مات، وتلك عاقبة الظالمين، ومسجد ابن خيرون قائم إلى الآن على ذاته يشهد لله بالوحدانية والعظمة، ويترجم بلسان حاله على مؤسسه الذي ذهب ضحية الدفاع عن عباد الله والذب على الدين الإسلامي القويم، وهذا المسجد هو المعروف الآن بجامع ذي ثلاثة أبواب، يبعد عن سوق المداسين بنحو أربعين خطوة، رضي الله عن مؤسسه، توفي ابن خيرون سنة 301ه، ودفن بعد إخراجه من الحفرة التي ألقي فيها بمقبرة الجناح الأخضر، عليه رضوان الله ورحمته.

علي العواني الشريف الحسيني

دليل القيروان · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دليل القيروانص ١٤