تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما زال مدحت باشا يلح في طلب اجتماع المبعوثان، ويجتهد في تأليفه من الأحرار، والمابين يؤخر ذلك ويفرق جميع الأحرار، حتى إنه أراد تعيين ضيا بك مسود القانون الأساسي سفيرا في برلين؛ لئلا ينتخب مبعوثا عن أهل الأستانة، فضاق صدر مدحت باشا من التأخير والمحاولة، وكتب إلى الذات الشاهانية مباشرة: «لم يكن غرضنا من إعلان القانون الأساسي إلا محو الاستبداد، وتعيين ما لجلالتكم من الحقوق وما عليها من الواجبات، وتعيين وظائف الوكلاء ومسئوليتهم، وتأمين جميع الناس على حريتهم، حتى ترتقي البلاد في معارج الارتقاء»، إلى أن قال: «وإني لكثير الاحترام لشخص جلالتكم، ولكن الشرع الشريف يوجب علي ألا أطيع أموركم «أوامركم» إذا لم تكن موافقة لمنافع الأمة»، ونحو ذلك مما لم يسمع بمثله إلا من مصطفى فاضل باشا كما تقدم. وبالحقيقة أن أحكام الشريعة الإسلامية وفتاوى الفقهاء في هذا الصدد لا تترك أدنى شك ولا ريب؛ لأن السلطان - بحكم الشرع - ليس مطلق الحرية، ولا مطلق التصرف في أموال الناس ومنافعهم، وإنما هو في جميع ذلك مقيد بالأحكام الشرعية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ فالحكومة المطلقة التي درجت عليها الدول والإمارات وتوارثتها من عهد معاوية، لا وجود لها على التحقيق في الدين الإسلامي.

عزل مدحت باشا ونفيه وصدارة أدهم باشا

عزل مدحت باشا ونفي على الباخرة «عز الدين» إلى إيطاليا، ووجهت الصدارة العظمى إلى أدهم باشا والد حمدي بك وخليل بك مديري دار العاديات «الموزة خانة»، وعين جودت باشا للداخلية، وأحمد وفيق أفندي لرياسة مجلس المبعوثان مؤقتا؛ لأن انتخاب الرئيس مبين في المادة السابعة والسبعين من القانون الأساسي.

بعد خروج السفراء ومندوبي الدول من الأستانة العلية، بعث البرنس غورجقوف ناظر خارجية روسيا إلى الدول بمنشور مؤرخ في 31 كانون الثاني/يناير يطلب فيه مداخلتهن بالاشتراك لإجراء الإصلاح في الممالك العثمانية (!) وإلا اضطر القيصر وحده إلى اتخاذ التدابير اللازمة في هذه المسألة، وأرسل الجنرال أغناتيف إلى أوروبا يقول: بما أن الباب العالي بدأ يخل بمعاهدة باريس، فتمام استقلال تركيا المشروط في تلك المعاهدة أصبح واهيا لاغيا، فترددت دول أوروبا ولا سيما إنجلترا في قبول هذا الكلام.

انتخاب أعضاء مجلس المبعوثان

رأت الدولة العلية إصرار أوروبا على إصلاح الروم؛ فسارعت إلى انتخاب أعضاء المبعوثان، وتطبيق أحكام القانون الأساسي الذي نالت به الأمة العثمانية الحرية وحق الحكم، فلم يفقه الناس إذ ذاك معنى هذه الحرية ولا قدروها حق قدرها، فظنوا أن المبعوثين كبقية الموظفين يشتغلون بمصالح الأمة تحت سيطرة الوزراء والنظار، ليستفيدوا من الرواتب التي ينقدونها، فلم يعنوا بأمر الانتخاب كما يجب. حدثني بعض أحرار الأستانة قال: كنا نحرض الناس على الانتخاب ونسوقهم إليه سوقا، وهم يقولون: ألم يكفنا ما لدينا من المجالس والدوائر المشحونة بالموظفين، حتى نزيد عليها مجلسا جديدا ونتكبد القيام برواتب موظفيه؟! فإن لم يصلح حالنا وتنتظم إدارتنا بجميع ما نراه أمام أعيننا من النظارات والدوائر العظيمة المشتملة على الألوف من الموظفين؛ أتراه يصلح بمجلس المبعوثان؟

هذا ماكان يقال في قاعدة السلطنة ومقر الخلافة، فما بالك بمراكز الولايات والأولوية، إذ كان المنتخبون لا يوصون مبعوثيهم إلا بطلب الرتب والأوسمة والألقاب والمناصب والمخصصات والرواتب لهم ولأقاربهم وذويهم؟! ولمن لاذ بهم وحام حول حماهم، أو بإعفائهم من التكاليف الأميرية والخدمة العسكرية وتخفيف الضرائب والمكوس عنهم ونحو ذلك! مما يعود على الوطن بالخراب لا بالعمران، كأن خزينة الدولة كنز لا يفنى، تمطر عليه الأموال من رحمة الله بغير عد ولا حساب.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ١٤