تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد كان بعض المسلمين يجد في استغفار إبراهيم لأبيه - وهو مشرك - ثغرة تنفذ منها عواطفهم الحبيسة ومشاعرهم الموصولة بذوي قرباهم من المشركين. فجاء القرآن ليشرح لهم حقيقة موقف إبراهيم في قوله لأبيه: (لأستغفرن لك). .

فلقد قال هذا قبل أن يستيقن من إصرار أبيه على الشرك. قاله وهو يرجو إيمانه ويتوقعه: (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه). . كما جاء في سورة أخرى.

ويثبت هنا أن إبراهيم فوض الأمر كله لله , وتوجه إليه بالتوكل والإنابة والرجوع إليه على كل حال:

(وما أملك لك من الله من شيء. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير). .

وهذا التسليم المطلق لله , هو السمة الإيمانية الواضحة في إبراهيم يبرزها هنا ليوجه إليها قلوب أبنائه المسلمين. كحلقة من حلقات التربية والتوجيه بالقصص والتعقيب عليه , وإبراز ما في ثناياه من ملامح وسمات وتوجيهات على طريقة القرآن الكريم.

ويستطرد لهذا في إثبات بقية دعاء إبراهيم ونجواه لمولاه:

(ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا). .

فلا تسلطهم علينا. فيكون في ذلك فتنة لهم , إذ يقولون: لو كان الإيمان يحمي أهله ما سلطنا عليهم وقهرناهم! وهي الشبهة التي كثيرا ما تحيك في الصدور , حين يتمكن الباطل من الحق , ويتسلط الطغاة على أهل الإيمان - لحكمة يعلمها الله - في فترة من الفترات. والمؤمن يصبر للابتلاء , ولكن هذا لا يمنعه أن يدعو الله ألا يصيبه البلاء الذي يجعله فتنة وشبهة تحيك في الصدور.

وبقية الدعاء:

(واغفر لنا). .

يقولها إبراهيم خليل الرحمن. إدراكا منه لمستوى العبادة التي يستحقها منه ربه , وعجزه ببشريته عن بلوغ المستوى الذي يكافئ به نعم الله وآلاءه , ويمجد جلاله وكبرياءه فيطلب المغفرة من ربه , ليكون في شعوره وفي طلبه أسوة لمن معه ولمن يأتي بعده.

ويختم دعاءه وإنابته واستغفاره يصف ربه بصفته المناسبة لهذا الدعاء:

(ربنا إنك أنت العزيز الحكيم). .

العزيز: القادر على الفعل , الحكيم: فيما يمضي من تدبير.

وفي نهاية هذا العرض لموقف إبراهيم والذين معه , وفي استسلام إبراهيم وإنابته يعود فيقرر الأسوة ويكررها ; مع لمسة جديدة لقلوب المؤمنين:

(لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد). .

رسائلي المفتوحة حول للجهاد والمجاهدين · الصفحة ٨٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائلي المفتوحة حول للجهاد والمجاهدينص ٨٧٦