كلام العرب الذي تستعمله في ألفاظها، وتقدي الكلام: مثل نوره كمصباح في مشكاة؛ لأن النور لم يشبه بالمشكاة، إنما شبه// بالمصباح فوقع التشبيه على المشكاة في اللفظ، وهو واقع على المصباح في المعنى، وهذا نحو مما حكاه سيبويه من قول العرب: «ما رأيت كاليوم رجلًا»، والمعنى: ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلًا، فأوقعوا التشبيه على اليوم في اللفظ، والمراد به الرجل في المعنى، وتحقيق تقديره: ما رأيت كرجل اليوم، فحذف المضاف إليه مقامه، ومثله قول النابغة:
(تحيد من أستن سوء أسافله ... مشي الإماء الغوادي تحمل الحزما)
فأوقع التشبيه على (مشي الإماء) والمراد به الإماء أنفسها.
وقوله- تعالى-: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، قال الفارسي: «من دهن شجرة»، فحذف المضاف، قال: و(زيتونة) عطف بيان على الشجرة، وقال غيره:
فجاز العطف، وإن اختلف نوعا التخويف؛ لأن جهة التخويف قد انتظمت، ونحو منه قوله تبارك وتعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]؛ لأن الإجماع على الأمر هو العزم عليه، والجمع الذي يراد به ضم الأشياء المفترقة، وإن اختلف نوعاهما فإن لهما جنسًا يجتمعان فيه، ألا ترى أنهما جميعًا يرجعان إلى معنى الصيرورة والانجذاب؟ ألا ترى أن من عزم على شيء فقد انجذب إليه وصار، كما أن الأشياء المفترقة إذا جمعت انجذب بعضها إلى بعض، وصار كل واحد منهما إلى الآخر؟
وكذلك قول الشاعر:
(يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحا)
ومعناه: وحاملًا رمحًا؛ لأن التقلد نوع من الحمل؛ ولأجل هذا الذي ذكرناه من حكم العطف بالواو قلنا في قول الله- تعالى-: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] في قراءة [مَنْ] خفض الأرجل؛ لأن الأرجل تغسل، والرؤوس تمسح، ولم يوجب عطفها على الرؤوس أن تكون ممسوحة كمسح