تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"فالهوية" إنما هي علْمٌ وإعلام وإشارة ورمز وسِمَات، أما الماهية فسرّ وإسرار وإرادة وقدرة وأمر..!

أو إنْ شئتَ قلتَ: الهوية صدف والماهية جوهرة هذا الصدف..!

أو إنْ شئتَ قلتَ: الهوية من فيض تجليات اسمه تعالى "الظاهر" أما الماهية فمن فيض تجليات اسمه تعالى "الباطن"..!

فالمرآيا إما أن تعكس صور الهوية وحدها وتترك للناظرين مهمة الكشف عن ماهياتها، أو تعكس الهوية والماهية معاً وتترك لخوراق أبصار الناظرين مهمة الغوص في دواخل الماهية. فالعلم في أبسط تعريف له: إنما هو عملية للبحث عن ماهيات الأشياء عبر هوياتها، سواء كانت هذه الأشياء مجسمات أم مجردات.. أي سواء كان منبعها الحسّ أو كان منبعها الشعور، أو سواء كانت مما يندرج تحت "علم العقول" أو "علم القلوب"، وكلا العلمين لا غنى لأحدهما عن الآخر، لأنه لا غنى - في الحقيقة - للقلب عن العقل، ولا للعقل عن القلب، وإلاّ اختلت الموازنة، واضطربت المعادلة. وسقط الإنسان صريع طغيان أحدهما على الآخر. و"النورسي" يشير إلى هذا في شرحه لمنهجه في تأليف كتابه "المثنوي العربي النوري" حيث يقول: "سلكتُ طريقاً غير مسلوك، في برزخٍ بين العقل والقلب" (1) ويصف سلوكه هذا بأنه: " كان في سياحته وسلوكه ذلك السلوك في تلك المقامات، ساعياً بالقلب تحت نظارة العقل، وبالعقل في حماية القلب كالإمام الغزالي والإمام الرباني وجلال الدين الرومي." (2) والفاصل القاطع بين ما هو عقلي وقلبي من معارف الإنسان، فاصل وهمي، وحدّ مفترض، نفترض وجوده حيث لا وجود له في الحقيقة، كافتراض الجغرافيين لخطوط الطول والعرض حول الكرة الأرضية بهدف تعيين المواقع، وبيان أماكن البلدان والأقطار والمدن من الأرض. فلا وجود لأمثال هذه الحدود والفواصل في النفس الإنسانية بين "العقلانيات" و "الوجدانيات" لأن "الروح" هو الذي يقدح زنادهما معاً، ويشعل جذوة ذكائهما معاً.

(1) المثنوي العربي النوري ص 35

(2) نفس الصدر ص 31

رسائل عن النورسية · الصفحة ٩٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٩٣٦