تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحتى تنتقش هذه الأسماء القدسية على مرآة القلب، وتتوحد في إسمه تعالى [ الواحد، الأحد ] لكي يتم ذلك، ويبلغ "التوحيد" الذي هو أساس الإيمان والإسلام عند المؤمن درجة الكمال المطلوب، عليه أنْ يتوحد هو نفسه أولاً وأنْ يُوَحِدَ ذاته، وَيَلُمَّ شتاته، ويجمع ما تفرق من أجزائه وما غاب من عقله ووجدانه، وما غام من فطرته، ليغدو بذلك واحداً كُلاً متكاملاً لا شئ فيه يبيت خارج كله، فيكون مؤهلاً لشرف العبودية للواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، حيث تصبح كُلُّ حياته لله إذا كان حياً، وكُلُّ مماته لله إذا هو مات، فلا يبقى منه أية بقايا في الدنيا خارج قبره. مثله مثل ذلك الصحابي الجليل الذي ذُكِرَ عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترحم عليه قائلاً: ( رحم الله فلاناً فقد مات كله!) قالوا - أي الصحابة - : [أليس أحدنا إذا مات يموت كله..؟! قال: ليس كلكم إذا مات يموت كله) أو كما هو قوله عليه الصلاة والسلام والى هذا الإشارة في قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: (قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرتُ وأنا أول المسلمين) 163/ الأنعام

وكوننا أحياء نتنفس الحياة ونحياها لا يعني هذا أنّ عمق هذه الحياة ودرجة عنفوانها واحدة عند جميع بني البشر، فهناك تفاوت قليل أو كثير في المدى الذي تذهب إليه هذه الحياة من ذواتنا، ومن قدرتها على إغناء وجودنا بالبواعث الحافزة للداينمية الحياتية في دواخلنا، فكم من إنسان يغدو أمامنا ويروح وهو في مقاييس الإيمان جثة هامدة تمشي على رجلين كما يقول "النورسي" لضعف استجابته لدواعي الحياة الإيمانية، ولصممه عن نداء الحق: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) وكم من مُتوارٍ وراء ستار الحياة وهو عند ربه حي يرزق (فلا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون).

رسائل عن النورسية · الصفحة ٩٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٩٣٠