والشأن مع "المجردات" هو الشأن نفسه مع المجسمات. فلكي يسهل علينا التعامل مع هذه "المجردات" فإننا نتوهمها صوراً قائمة إزاءنا نبادلها الحديث والرأي، ونتخيلها أشكالاً جسمانية نفهم عنها وتفهم عنّا.
فالتشكيل والتجسيم هما مطية "المجردات" إلى عقولنا ومن دونها يغشانا ضباب فكري يمنعنا من إدراك حقيقة ما يُرادُ مِنّا إدراكه، وحتى الأرواح التي لا شيء فوقها في التجريد لم يتركها خالقُها جلَّ شأنه تسبح في ملكوت التجريد، بل أمرها بالإيواء إلى أعشاش الأجساد، وهي إذا ما فارقت هذه الأجساد عند موتها لا تبقى متجردة من أي ثوب، بل ترتدي ثوباً جسمانياً مثالياً شبيها بالجسد الذي فارقته كما يقول "النورسي".(1)
(1) يقول النورسي:" نعم. انه بديهي أن كل روح رغم التبدل والتغير الجاري على الجسم عبر سني العمر تظل باقية بعينها دون أن تتأثر، لذا فما دام الجسد يزول ويستحدث - مع ثبات الروح - فلابدّ أن الروح حتى عند انسلاخها بالموت إنسلاخاً تاماً، وزوال الجسد كلّه، لا يتأثر بقاؤها ولا تتغير ماهيتها.. أي أنها باقية ثابتة رغم هذه التغيرات الجسدية، وكل ما هنالك أن الجسد يبدّل أزياءه تدريجياً طوال حياته مع بقاء الروح، أما عند الموت فيجرد نهائياً وتثبت الروح. فبالحدس القطعي بل بالمشاهدة نرى ان الجسد قائم بالروح، أي ليست الروح قائمة بالجسد، وإنما الروح قائمة ومسيطرة بنفسها. ومن ثم فتفرّق الجسد وتبعثره بأي شكل من الأشكال وتجمّعه لا يضر باستقلالية الروح ولا يخل بها أصلاً. فالجسد عشّ الروح ومسكنها وليس بردائها. وإنما رداء الروح غلاف لطيف وبدن مثالي ثابت إلى حدٍّ ما ومتناسب بلطافته معها. لذا لا تتعرّى الروح تماماً حتى في حالة الموت بل تخرج من عشّها لابسة بدنها المثالي وأرديتها الخاصة بها." الكلمات ص 610