بارلا الجديدة ، يا مرحبا ببارلا ، لم تكن هذه صورتها في ذهني ، والخيال يخدعنا دائما ويبعدنا عن الواقع ، حين سلم علي أحدهم في ذات مكان قال كنت أتصورك جسيما فارها ..ضحكت وقلت صدق الأسلاف حين قالوا (تسمع عن المعيدي خير من أن تراه). وكان ذلك هو شأني مع بارلا ، إذ بدت لي أكثر أناقة . فيلل بطوابق متناثرة فوق السفح ، وبارلا القديمة على حالها تقريبا ، ، بل لقد تحولت بارلا كثيرا عن الحال التي تركها عليه الأستاذ ، إلا بيت خشبي هناك تفحمت جنباته وتقوست أضلعه كما تتقوس عظام يد الشيخ الكبير.
مسجد بارلا صغير ، الشرفة الخشبية المرتفعة إلى قريب من السطح كان النورسي يعتكف بداخلها . وصلينا ، هنا في هذه البقعة المحدودة ، والجو الكابي ، وطي هذه الألوان الداكنة انبثقت شرارة البعث الإيماني الرباني الصارخ ، هنا جالت روح النورسي في ملكوت الإلهام وأمدها الله بفيوض العصمة والتوفيق والتسديد. هنا تململ الإسلام يرد ضربات العقوق ويبني طوابق عزته من جديد على دعائم القرآن .
هنا استعادت تركيا البسمة التي تمزقت على شفتيها بغباء الأغبياء وتفريط المفرطين ، هنا علت المنائر ببشائر لا إله إلا الله محمد رسول الله ترد الزندقة وتبدد غيوم الإلحاد السوداء الآتية من الغرب .
وصعدنا جبل "جام" ، علو شاهق ونسائم رقيقة فيها برودة منعشة وأشجار الصنوبر تنداح ظلالها من حولنا جذلى بطروقنا ، تكاد تحمحم لنا بمشاعر الترحيب ، ومضينا خلالها نسحب الخطا ، هكذا أصعدة الطهر تسلكها الأنفس على جهد ومشقة وبكثير من الحذر والمخاوف ، أدنى غفلة هنا يزل بها القدم ، وما أعمقها هوة أسفلنا ، ولابد على السالك من حضور القلب ، ولابد عليه أن يكابد .