طريق الله قويم ، لكنه غير مفروش بالزهر ، إذ له ضريبة باهضة لابد منها ، حتى يفضي بسالكه إلى رياض الفردوس. لست ممن يتحمسون للرحلة ، لكنني هذه المرة عزمت، لاسيما وقد رأيتني أتأخر عن تلبية الداعي - وأنعِم به من داعٍ - مرات ثلاث بالتمام. والواقع أنني لم أكن في سائرها مستهينا ولا مترددا ، كلا ، لقد كان يعيقني دائما عائق قاهر ، وهذه المرة أحسست أن القصد سيتحقق ، فقد كانت ابنتي شديدة الحرص على أن أسافر وأن أحضر حلقة "النورسي" في حمى بيئته الأم، لقد استبانت طبيعة العلاقة التي ربطتني بالأستاذ إحسان قاسم دلال رسائل النور المخلص ، فواصلت سعيها أياما وأياما وأدارت لي عملية الحجز والتأشيرة بإحكام وضبطت الترتيبات وجعلتني أمام أمر واقع.
...
في إقلاعي الثاني جاورتني صبية في طريقها إلى "تيرانا" ، قالت إن لها أختا مع زوجها هناك، وسيرسلانها إلى السعودية لدراسة الشريعة ، لازمتني منذ المطار ، ورأيتها تنقلب مثل الليمة اصفرارا ، ثم سرعان ما تفاقم صداعها ، كان المسافرون ينامون بمن فيهم المضيف ، وكان علي أن أسعفها بالنشافات والمناديل الورقية ، فقد أفرغتْ ما في جوفها وتمددت في حال من يستسلم للموت. وفي مطار اسطنبول غادرتها وهي مسنتدة إلى مقعد وإحدى الشرطيات تأخذ مكاني في إسعافها ، هي قاصر بعد ، تحمل ترخيصا من أبيها لتسافر وحيدة ، ما الذي جعلها تأنس إليّ من دون المسافرين ؟ ألأنها رأتني أجلس في مصلى المطار أنتظر الميعاد ؟ أم أن ملامح الأب والمدرس التي تعكسها هيئتي هي التي جذبتها إلي ؟ حين كنت أسعفها حمدت الله في نفسي أن تكون كل كلفة الرحلة هي ذلك الشيء القليل من العناء الذي حملتنيه صبية في عمر ابنتي يؤذيها السفر بالجو فتقيء.