عندما ساقوني منفياً إلى قسطموني بعد أن أكملت سنة محكوميتي في سجن "اسكي شهر"(1) و أنا الشيخ الهرم، مكثت موقوفاً هناك في مركز الشرطة حوالي ثلاثة اشهر. ...(2)
فبينما كان اليأس يحيط بي من كل جانب، إذا بالعناية الإلهية تغيث شيخوختي، إذ اصبح أفراد الشرطة المسؤولون في ذلك المخفر بمثابة أصدقاء أوفياء، حتى كانوا يخرجونني متى شئت للاستجمام والتجوال في سياحة حول المدينة وقاموا بخدمتي كأي خادم خاص، فضلاً عن أنهم لم يصروا عليّ بلبس القبعة قطعاً. ثم دخلتُ المدرسة النورية التي كانت مقابل ذلك المخفر في قسطموني.(3)
العلوم تعرّف بالخالق:
جاءني فريق من طلاب الثانوية في "قسطموني"(4) قائلين: عرّفنا بخالقنا، فإن مدرسينا لا يذكرون الله لنا !.
فقلت لهم:
إن كل علم من العلوم التي تقرأونها يبحث عن الله دوما، ويعرّفكم بالخالق الكريم بلغته الخاصة. فاصغوا إلى تلك العلوم دون المدرسين..
(1) في 27/ 3/ 1936
(2) حيث اُكره الناس على لبس القبعة والزي الأوروبي بعد صدور (قانون القيافة).
(3) بيت صغير يقع أمام المخفر مباشرة، لكي يكون تحت المراقبة الدائمة.
(4) في تلك السنوات الحالكة كانت معاول الهدم تهدم الإيمان بالله في نفوس الجيل الجديد، وتثير الحيرة فيه. يتحدث "عبد الله يكن" عن حيرته هذه عندما كان طالباً في المدرسة المتوسطة، فيقول بان مدرسيه لم يكونوا يتحدثون قطعاً عن (الله) فكان يذهب هو وصديق له يدعى "رفعت" لزيارة بديع الزمان: "كنا أنا وصديقي رفعت نزوره على الدوام، فكان يتحدث معنا عن أهمية الإيمان، وعن وحدانية الله، وان الإنسان لم يخلق للعيش بدون ضوابط، وكنا نحسّ في أعقاب كل زيارة بأننا قد ولدنا من جديد، وكانت نفوسنا تطفح بالسعادة المعنوية وبالبشر والفرح". ش/331