وعاش بين الناس متواضعاً، يرشد ، ويوجه، ويبعث الأمل ، وينشط الهمم في كفاح لا يعرف الملل ، وعراك مع شياطين الأنس لا يعرف الهزيمة، ولا يتوقف عن النزال مهما كانت الجراح حتى ولو تهددت الحياة، وبالتالي فأمثال هؤلاء الرجال لا يمكن إغواؤهم بمنح متع الحياة لهم، ولا بمنع الحياة نفسها عنهم ، فالحياة الدنيا في نظرهم ليست غايةً ومطلباً ، وإنما ما بعد الحياة الدنيا هو المطلوب المرغوب .
وإذا كانت الأرض لن تخلو أبداً من قائم لله بحجة ، إما ظاهراً مشهوراً، وإما خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك والله الأقلون عدداً، والأعظمون عند الله قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، فباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، وعاشوا حياتهم وهم يتطلعون إلى لحظة الخلود بلقاء الله، فهانت عليهم الدنيا وصغرت في عيونهم كل قوى الطواغيت فتحدوها برجولة منقطعة النظير، وبإيمان تتزلزل الجبال ولا يزول .
وقد كان بديع الزمان واحداً من هؤلاء الذين هم أعظم عند الله قدراً، وكأن قدر الله اختار الرجل ليؤدي هذا الدور التاريخي في مرحلة تعد من أخطر مراحل التحول في حياة تركيا وحياة المسلمين عموماً ، وليكون الرجل شاهد عصره وزمانه وكأن فم الزمان يقول بلسانه:
لا لن تخبو أبداً أنوار الحق
لا لن يسكت أبداً صوت الأذان
لا ولن تتوارى أبداً شمس الإسلام
لا ولن يعلو أبداً صوت الشيطان فوق صوت الوحي المعصوم مهما تقدم الباطل وطال ليله وامتد حبله وانتفخت أوداجه .
ونسمع من بعيد صوت الرجل وهو يستشف حجب الغيب المكنون، وينبه الغافلين إلى سنة كونية مفادها إن الله لا يصلح عمل المفسدين فيقول لهم: