تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في زحام الضجيج حول الوطنية والمواطنة والقومية، والأجنبي والوافد، يعلو في سماء أمتنا دخان كثيف يحجب الرؤية ، ويزكم الأنوف، وتحت هذا الدخان الأسود ، تعلو القبلية على المواطنة ، وتعلو المواطنة على الوطنية ، وتعلو القطرية على الوطنية ، وتعلو الفطرية على القومية ، ثم تكون الطامة الكبرى حين تعلو القومية على الدين .

ولسنا بالطبع ضد احترام الخصوصيات لكل شعب ، فالله قد خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ، ولكن ليتعارفوا لا ليتناكروا، وليتعاونوا لا ليتصارعوا ، ولسنا بالطبع ضد ولاء الإنسان لبني جنسه، أو لبني قومه، ولكننا نرفض القومية حين تطرح بديلاً عن دين الله.

والمتأمل الجاد في حياة أمتنا ، يجد الأهواء قد مزقتها، والعصبيات قد فتنتها ولعبت فتن الداخل والخارج بعقول أبنائها ، فقسمتهم بدل الأخوة إلى مواطن ووافد وأجنبي ، ونظر كل طرف إلى أخيه نظرة شك وارتياب، وغذيت وتغذى هذه الأحاسيس الشريرة الخاسرة لدى الناشئة وبعض المتعلمين ، وبالتالي اختلت موازين العدالة في التعامل بين أبناء الأمة الواحدة والدين الواحد .

ففي بعض البلاد ، ينظم السلم الوظيفي وفق بلد المولد حتى لو كان الإنسان يحمل جنسية السيد المطاع ، صاحب العيون الزرقاء والشعر الأصفر ، فمجرد معرفة أصل بلد المولد ، يتدنى الراتب وينخفض بعد أن كان في أعلى السلم الوظيفي ، بصرف النظر عن الكفاءات والقدرات والمؤهلات العلمية ، بل إن التفاوت يحدث أحياناً بين أبناء البلد الواحد لاعتبارات لا يعرف المرء أصلاً لها ولا من أين جاءت .

والغريب العجيب أن ينعكس هذا الوضع على الجيل الجديد ، فيمتلئ بعض الشباب بغرور الثراء ، وينظرون إلى الزملاء والأقران نظرة ازدراء وتحقير لمجرد أنهم "أجانب وافدون" ، هكذا يكتب التصنيف في بعض الدول .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٦٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٦٧٥