وفهم الناشئ لحدود الحياة يجب أن يرتبط بأصل التوحيد منذ بداية الحياة البشرية في تصور المسلم، وهذه الحياة بدأت في صورتها المادية منذ نفخ الروح في آدم عليه السلام ، وتجارب الإنسانية التي تضمنها القرآن رصيد ملزم للناشئين في أحوالهم وتقلباتهم ، كما أن الحياة التي نعيشها إنما هي أدوار وأطوار ، فطوراً في الرحم وطوراً على الأرض وطوراً في القبر وآخر في المحشر ونهايتها إلى خلود لا إلى فناء فإما جنة وإما جحيم بعد حسابها على ما قدمت ، ومن هنا يرتبط فهم الناشئ لحدود الحياة بأصل التوحيد الذي تربى عليه ، يقول الله تعالى:
﴿ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ﴾ (1)
فهذا التوجيه يرسخ في عقل المسلم وفي تصوره أن الحياة ممتدة، وأنها لا تنقطع بعوارض الموت، فليس الموت إلا مرحلةً من مراحلها وطوراً من أطوارها وهذا في الحقيقة بعد جديد يعين المسلم ويساعده على أداء التكاليف وتحمل مشقات الحياة بصبر وأمل ، ويجعله صلباً في مواجهة الصعاب مهما كانت شديدة، ويزوده بطاقات نفسية تشد من عزمه وتقوي من إرادته في فعل الخير ومقاومة الشر طلباً للثواب وانتظاراً للجزاء.
(1) الحج 5-7