تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالقراءة هنا ومنذ اللحظة الأولى تبدأ باسم الرب الذي خلق ، ولئن كان القارئ على الأرض والقراءة التي تلقاها كانت أيضاً على الأرض، إلا أن مصدرها كان من السماء، وحاملها إلى النبي كان ملكاً من السماء، والآمر بها أيضاً هو خالق الإنسان والأرض والسماء والوجود كله.

فهي إذاً قراءة ترتفع بالإنسان وتسمو به وتعلي من قدره وشأنه ليكون عبداً لله سيداً في الكون، فهي ترتبط بمقصد وغاية، ووسيلة التلقي لهذه القراءة إنما هو العقل الموهوب للإنسان من الخالق جل وعلا ، وإذا كان العقل وحده لا يستقل بإدراك الحقائق وإن أدرك بعضها ، إلا أنه إذا امتزج بالبصيرة وتوحد معها، زادت رؤيته وجذبت البصيرة إليه عالماً من الرؤية غير محدود ، فلا تتوقف رؤيته عند حدود الحسيات المرئية فقط، وإنما يصبح هذا العقل ممدوداً بأنوار البصيرة التي تستمد بدورها من أنوار الإيمان، فتهدي العقل أجمل وأعلى وأغلى ما يفقده العقل حين يسير في دروب الحياة وفي منحنيات العلم بغير هدى من أنوار الوحي السماوي ، فتضييع جهوده ويقوده هواه ، وتصبح ثمرة إنجازاته وحصيلة تجاربه كلها في يد الشيطان، ومهما كان العقل ذكياً ومهما توفرت له من أسباب النشاط العلمي ومن إمكاناته فلن يتمكن في نهاية المطاف من الاحتفاظ بثمرات جهوده بعيداً عن العبث والاستعمال الرديء بغير ضوابط من الوحي المعصوم .

وهل المأساة التي تمسك بخناق العالم عموماً والأمة الإسلامية على وجه مخصوص ترجع أسبابها إلا إلى الانفصال بين العقل والبصيرة ، أو بتعبير أدق بين العقل وضوابط الأخلاق الفاضلة التي هي ثمرة من ثمرات الإيمان الصحيح ونتيجة من نتائجه الباهرة في ضبط حركة الوجود وحماية البيئة وترقية الحياة ؟

رسائل عن النورسية · الصفحة ٦٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٦٥١