تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كانت هذه المدنية تفرض التخلف على الآخرين بحرمانهم من منجزات العلم ومبتكراته ومخترعاته ، وتصنع الحدود والسدود في وجه كل محاولة للاستفادة من خبراتها في هذا المجال، فإنها لا تكتفي بذلك فقط بل تدمر كل نشاط علمي يقوم به الآخرون للخروج من دائرة العجز والتخلف والتبعية ، وتصنع بؤر الصراع لتتذرع بها لتحطيم كل محاولة يقوم بها العالم الإسلامي في ذلك المجال ، بل إنها لا تكف عن محاولات فرض نمطها الأخلاقي المهترئ والمحمل بفيروسات الجريمة وغرور القوة وطغيان الشهوات، وتهب منها بين الحين والحين رياح الخماسين التي تحاول قطع العالم الإسلامي عن جذوره وتراثه وتاريخه ليتحول نبتاً شيطانياً لا جذور له في أرض الحضارات ، وإذا كانت أمتنا تعاني تخلفاً ذريعاً في عالم المادة فإن القيم المعنوية تتأثر هي الأخرى في الذات الإنسانية بهذا التخلف، ولما كان الإسلام يطالبنا بأن لا نبخس الناس أشياءهم فإنه كذلك يلزمنا بضرورة التوازن بين قيم الحياة بقسميها المادي منها والروحي باعتبارها تمثل شطري الإنسان في خلقته وتكوينه، ولا يستقيم طريقه كما لا تستقيم حياته بعيداً عن هذا التوازن .

ومن هنا كانت واقعية الإسلام العظيم حين جمع في منهجه بين الدنيا والآخرة وبين عالم الغيب وعالم الشهادة ، بين المادة والروح، بين الملك والملكوت، بين العقل والقلب، بين السيف والقلم، بين الحرية والانضباط، وبين الفن والالتزام ، وهذا في الحقيقة تكامل يصلح به الوجود الإنساني، وترتقي به الحياة وتزدان، فلا يطغى فيها جانب على آخر، ولا يشبع جانب ويجوع آخر، وبهذا التكامل يتوازن الإنسان مع ذاته أولاً ومع البيئة من حوله ومع الوجود كله باعتباره جزءا من هذا الوجود وعنصراً من عناصره المؤثرة فيه والمتأثرة به .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٦٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٦٤٨