تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأبدية السعادة –في رأي النورسي- فطرة في الإنسان، ونابعة من كونه لم يخلق للفناء، بل خلق للبقاء الدائم، وأما اشتياقه للبقاء والأبدية فيدل على أنه خلق أولاً في عالم ألطف من هذا العالم وأرسل إلى هنا ليتجهز ويعود إليه من جديد(1).

ولا يكتفي النورسي بما انتهى إليه، بل يمضي قدماً ليبرهن على أن في وجود الله –تعالى- ضماناً لوجود هذه السعادة، وذلك لأن الربوبية المطلقة ما دامت تتجلى في هذه الكائنات، وهي ذات جلال وعظمة، وحكمة ورأفة ظاهرة، فلا بد أن هناك سعادة أبدية تنفي عن الربوبية المطلقة أي ظن بكونها تترك الخلق هملاً دون ثواب، وتبرئ الحكمة من العبث، وتصون الرأفة من الغدر"(2).

وفي مقابل السعادة الأبدية اقتضت الرحمة الإلهية الشقاء أو العذاب، يقول النورسي:

" إن وجود جهنم وعذابها لا ينافي مطلقاً الرحمة غير المحدودة، ولا الحكمة والعدالة، بل إن الرحمة والعدالة والحكمة تتطلب وجود جهنم، وتقتضيه، لأن قتل حيوان مفترس افترس مئة من الحيوانات، أو إنزال عقاب بظالم هتك حرمات ألف من الأبرياء، إنما هو رحمة بآلاف الأضعاف للمظلومين من خلال العدالة، وإن إعفاء ذلك الظالم من العقاب أو التجاوز عنه، وترك ذلك الحيوان الوحشي طليقاً، فيه ظلم شفيع، وعدم رحمة لمئات المساكين بمئات الأضعاف إزاء رحمة في غير موضعها.

ومثل هذا –أيضاً- الكافر، فإنه بكفره ينكر حقوق الأسماء الإلهية الحسنى، أي يتعدى عن تلك الحقوق، وبتكذيبه لشهادة الموجودات، يتعدى على حقوقها أيضاً. وبإنكاره الوظائف السامية للمخلوقات يتجاوز على حقوقها. وبجحوده لأنواع العبادات التي تؤديها المخلوقات تجاه مظاهر الربوبية والألوهية، يتعدى تعدياً صارخاً على حقوق جميع المخلوقات.

(1) - المثنوي العربي النوري – النورسي ص 304.

(2) - الكلمات- النورسي ص602.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٦٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٦٠٨