ولكن عنصر المحبة وحده لا يكفي في نقاء العبادة، وفي خلوص الطاعة، لأن المحبة كما يرى النورسي هي عطية من عطايا الله، ونور من أنوار الإيمان(1)، فلا بد أن يساوقها تعظيم لله، وتنشأ تلك العظمة عن استشعار قوة المعبود استشعاراً يتجاوز حدود العقل، حتى لا يدري المؤمن منشأها، كل ما يعرفه عنها أنها عظمة محيطة به، وفوق إدراكه.
فإذا اجتمعت المحبة مع التعظيم كان ذلك نهاية الخضوع لله تعالى. ومن ثم تصبح هي العبادة الحقة والتي يشعر فيها المؤمن بضعف وعجز في نفسه، مع استشعار قوة المعبود. ومن هنا تحولت العبادة عند النورسي من إظهار المعنى الذي به كمال الإنسان إلى دعاء، بحيث لا يظهر المؤمن غاية التذلل لله فقط، بل أيضاً "يأوي إلى ربه بالدعاء مظهراً عجزه، ومسلماً الأمر كله والتدبير إليه وحده، مع الاعتماد والاطمئنان إلى حكمه دون اتهام لرحمته ولا القنوط منها".(2)
والدعاء كما يراه النورسي فيه التعبير الفعلي عن حاجة المؤمن إلى ربه، بل إن الدعاء هو نداء ينبعث بقوة معبراً عن عجزه وضعفه وافتقاره إلى الله تعالى، فاتخذ عنده معنى أوسع من معنى العبادة، مع أن العبادة أبلغ في الدلالة، إذ هي الغاية في التذلل، ولأجل ذلك فقد قسم الدعاء إلى ثلاثة أنواع:
الأول: دعاء بلسان الاستعداد والقابلية المودعة في الشيء، فالحبوب والنويات جميعها تسأل فاطرها الحكيم بلسان استعدادها وقابلياتها المودعة فيها قائلة:
- اللهم، يا خالقنا، هيئ لنا نمواً نتمكن به من إبراز بدائع أسمائك الحسنى، فنعرضها أمام الأنظار، فحوِّل – اللهم- حقيقتنا الصغيرة إلى حقيقة عظيمة. تلك هي حقيقة الشجرة والسنبلة.
(1) - اللمعات – النورسي ص 105
(2) - الكلمات - النورسي ص 358.